بين الدبلوماسية والميدان، يميل الرئيس اللبناني جوزيف عون بلا تردد إلى الخيار الأول، وإن كان، وهو الآتي من الميدان العسكري، قد أوعز إلى الجيش قيادةً وضباطًا وعسكريين بوجوب التصدّي لأي عمليات توغل إسرائيلية. إلا أنه يدرك الكلفة البشرية والمادية لأي مواجهة، ليس فقط على المؤسسة العسكرية، بل بالدرجة الأولى على اللبنانيين.
فمع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واتخاذها منحًى جديدًا عبر عمليات التوغّل والتصفية، كان لا بد من قرع جرس إنذار في وجه الجانب الإسرائيلي مفاده أنّ الدولة الملتزمة باتفاق وقف إطلاق النار، والساعية إلى حصر السلاح بيدها وسحبه بالكامل من حزب الله جنوب الليطاني، لن تسمح بمزيد من التمادي.
عون أرفق القرار العسكري بآخر سياسي دبلوماسي، معلنًا مجددًا رغبة لبنان واستعداده للتفاوض. ويأتي هذا القرار ثمرة لقاءات دبلوماسية بدأت مع نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط مورغان أورتاغوس، ثم مدير الاستخبارات المصرية حسن رشاد، وصولًا إلى وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول.
هذه اللقاءات أوصلت عون إلى استنتاجٍ مفاده أن التفاوض يبقى الخيار الأسلم لتجنيب لبنان أي تصعيد إسرائيلي، وإن كانت إسرائيل تلتزم الصمت حيال موقف لبنان، أو تتحدث عنه بلهجة تصعيدية تهديدية. ومع ذلك يحاول عون تفادي كرة نار إسرائيلية تقترب حينًا وتبتعد أحيانًا أخرى، لتعود بدفع أكبر كل مرة.
شروط التفاوض وحدوده
تقول مصادر رسمية لبنانية لموقع التلفزيون العربي إن موقف عون، القائل إن لا خيار أمام لبنان سوى التفاوض، لم يتبدّل منذ أسابيع، لكنه ينتظر جوابًا إسرائيليًا واضحًا يأتي بالنار في كل مرة. إلا أنّ الرئيس اللبناني، وإن لم يحدّد شكل التفاوض، يعتبر أن ما جرى في الترسيم البحري هو أحد أشكال التفاوض التي يمكن اللجوء إليها.
وتكشف المصادر الرسمية اللبنانية أن لبنان يشترط وقف الاعتداءات الإسرائيلية كخطوة تعكس رغبة في التوصل إلى حل، وتفتح الباب أمام الدخول في المفاوضات. فقد تقدّم لبنان خطوة من خلال إعلان الموافقة على التفاوض، نزولًا عند الرغبة الأميركية العلنية بذلك، خصوصًا أنه يعقد اجتماعات مشتركة مع الجانب الإسرائيلي في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية برعاية أميركية، ما يعني أنه في نهاية المطاف يجلس على طاولة واحدة مع طرف النزاع.
أمّا مضمون المفاوضات، فتوضح المصادر أنّه سيتناول تثبيت الحدود البرية بين البلدين، والتوصل إلى اتفاق حول النقاط المتنازع عليها، والتي كان آموس هوكستين، المبعوث الأميركي السابق، قد توصّل إلى حلّ النزاع حول عدد منها في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إضافة إلى التفاوض لاستعادة الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، والعودة إلى هدنة عام 1949، أي بمعنى آخر تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار تُضاف إليه بنود أخرى.
حزب الله: لا مفاوضات تحت النار
وفيما يبدو أن معظم الأطراف اللبنانية مرحِّبة بموقف الرئيس اللبناني، معتبرةً أنه خطوة متقدمة لجهة تجنيب لبنان مزيدًا من التصعيد العسكري، يبقى موقف حزب الله أنه غير معني بأي مفاوضات، كما لم يكن معنيًا بورقة توم براك التي حاولت الولايات المتحدة ومن خلفها إسرائيل تسويقها كبديل عن اتفاق وقف الأعمال العدائية.
وتقول مصادر حزب الله لموقع التلفزيون العربي إن المطلوب اليوم موقف لبناني داخلي موحّد لجهة المطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتنفيذ إسرائيل لبنود اتفاق وقف إطلاق النار. أمّا ما عدا ذلك، تضيف المصادر، "فلا بحث في مفاوضات تحت النار، لأنها تضعف الموقف التفاوضي". وتؤكد مصادر حزب الله التزامه بالاتفاق، وأنه مستمر بتسليم السلاح جنوب الليطاني، لكنه يرفض التفريط بأوراق القوة التي يملكها لبنان.
هامش حركة للحكومة والرئاسة
عمليًا، لا يعلن حزب الله بموقفه هذا رفض التفاوض، بل إنه، بقوله إنه غير معني، يترك للحكومة ورئيس الجمهورية هامش تحرّك لا فيتو عليه، وهو يلتقي مع الشرط اللبناني بأن تتقدّم إسرائيل خطوة من خلال وقف اعتداءاتها. وهي الخطوة نفسها التي كان لبنان قد طلبها سابقًا من توم براك، ووعد الأخير بانتزاعها من إسرائيل وفق مبدأ "الخطوة مقابل خطوة"، وذلك خلال لقاءات براك مع المسؤولين لحضّهم على أن تتخذ الحكومة قرار حصرية السلاح وتبنّي مبادئ ورقة براك.