هل ينجح لبنان في اختبار شمال الليطاني؟
الجغرافيا أسهل.. والسياسة أعقد
وفق المقاربة العسكرية، فإن المرحلة الثانية، تمتد من شمال نهر الليطاني حتى نهر الأولي عند المدخل الشمالي لمدينة صيدا، على مساحة تقارب 850 كيلومترًا مربعًا، وتشمل أقضية جزين وصيدا - الزهراني والنبطية، بحسب ما يقول قائد قطاع جنوب الليطاني في الجيش اللبناني سابقًا، العميد خليل الجميل، لموقع التلفزيون العربي.
عسكريًا، تبدو المهمة أقل تعقيدًا مما كانت عليه جنوب الليطاني. فالمنطقة، بحسب الجميل، خالية من مخلفات الحرب من قنابل عنقودية وذخائر غير منفجرة، ولا تواجه فيها المؤسسة العسكرية تحديات الانتشار تحت النار أو منع تحركات مقاتلين في بيئة تماس مباشر مع إسرائيل.
ويملك الجيش، وفق ما تكشف مصادر عسكرية لموقع التلفزيون العربي، خارطة شبه كاملة لتوزع السلاح ومواقع تخزينه، بما فيها مخازن داخل أنفاق جبلية في إقليم التفاح وكفرحونة وجباع وجرجوع وغيرها. كما يتلقى معلومات إضافية من لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية، ما يعزز قدرته الاستخبارية واللوجستية للوصول إلى المواقع المحددة.
التحدي الميداني محدود، لكن التحدي السياسي مركزي.
معضلة الغطاء السياسي
-
قرار سياسي واضح يمنحه حرية الحركة الكاملة.
-
تأمين الإمكانات البشرية واللوجستية اللازمة.
عمليًا، لا يملك الجيش حاليًا سوى لواء واحد وأفواج محدودة للتحرك في تلك المنطقة، ما يعني حاجته إلى تعزيزات إضافية للتعامل مع حجم السلاح المنتشر. أما زمن التنفيذ، فليس محددًا بدقة، وإن كان خبراء عسكريون يقدّرون أن وضع اليد على السلاح والتخلص منه بالكامل قد يستغرق بين ستة وتسعة أشهر، شرط توافر الإمكانات.
لكن جوهر المسألة يبقى سياسيًا:
ماذا تبقى من الترسانة؟
هل المطلوب إدارة السلاح أم إنهاؤه؟
حلقة مفرغة: الدعم مقابل التنفيذ
العقدة الأخرى تتمثل في التمويل. فالجيش يحتاج إلى دعم مالي وعسكري لتعزيز قدراته، غير أن مؤتمر دعم الجيش يبدو بدوره مشروطًا بإظهار تقدم في تنفيذ الخطة. المؤتمر التحضيري الذي كان مقررًا في منتصف فبراير/ شباط تأجل، وقد ينسحب التأجيل على مؤتمر الدعم نفسه.
هكذا يدخل الملف في حلقة مفرغة:
-
هل يُسحب السلاح أولًا ليأتي الدعم؟
-
أم يُقدَّم الدعم أولًا لتسهيل سحب السلاح؟
تعكس هذه المعادلة أزمة ثقة دولية بقدرة الدولة على فرض قرارها، وفي الوقت نفسه تقيّد قدرتها على التنفيذ من دون مساندة.
الضغط الإسرائيلي: عامل تسريع أم تفجير؟
في موازاة ذلك، تتصاعد الضغوط العسكرية الإسرائيلية. التوغلات المتكررة، وعملية الخطف التي نُفذت في الهبارية على بعد سبعة كيلومترات من الحدود، تشكّل مؤشرًا إلى تبدل في قواعد الاشتباك، وربما إلى اختبار جديد للواقع الأمني شمال الليطاني.
هذا الضغط قد يدفع نحو أحد مسارين:
هذا الضغط قد يدفع نحو أحد مسارين:
- إما تسريع التفاهم الداخلي لتثبيت سلطة الدولة وتفادي تصعيد أوسع.
- أو العكس، أي تشديد التصلب السياسي واعتبار أي خطوة داخلية استجابة لإملاءات خارجية.
وعليه، فإن المعادلة اليوم ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية - سيادية:
- الجيش قادر تقنيًا.
- المهمة ممكنة ميدانيًا.
- المدة الزمنية معقولة قياسًا بحجم الانتشار.
- لكن التنفيذ مرهون بقرار سياسي واضح من حزب الله ومن الحكومة مجتمعة.
اختبار شمال الليطاني ليس مجرد خطة أمنية، بل هو اختبار لثلاثة أمور مترابطة:
-
قدرة الدولة على احتكار السلاح.
-
استعداد "حزب الله" لإعادة تموضع استراتيجي داخل المعادلة الوطنية، والتحول تدريجيًا إلى حزب سياسي منخرط في العمل السياسي بعيدًا عن الأمن والعسكر.
-
استعداد المجتمع الدولي لمكافأة خطوة سيادية فعلية بدعم ملموس.
وعليه، فإن نجاح الخطة لن يُقاس بعدد الصواريخ التي تُجمع، بل بمدى تحوّل القرار الأمني من توازن قوى إلى سيادة دولة.