في يوم عمل صاخب في طهران، تتوالى فيه الأخبار من كل حدب وصوب كعادتها، استقبلت في مكتبي زائرًا بعد أن أنهى مداخلته على شاشة التلفزيون العربي.
وبين مداخلتين مباشرتين لشرح آخر التطورات بشأن المسار الدبلوماسي الصعب بين إيران والولايات المتحدة، سرقت بضع دقائق جلسنا فيها معًا، ولا أعرف كيف دخلنا سريعًا في حديث ذكريات ضيفي عن مراحل مفصلية في العلاقات الثقافية الإيرانية العربية، والخليجية على وجه التحديد. مستعيدًا أحداثًا تعود إلى سنوات مضت، حدّثني وهو دبلوماسي إيراني سابق عن مرافقته وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيراني آنذاك، علي لاريجاني، إلى الدوحة.
أول مستشارية ثقافية في المنطقة الخليجية
يقول ضيفي إن ما بدا في حينه حديثًا عابرًا بين مسؤولين إيرانيين وقطريين، تحول لاحقًا إلى خطوة مؤسسية غير مسبوقة.
فخلال اللقاء، لفتت طلاقته في اللغة العربية انتباه الحاضرين، وكان يتولى الترجمة، لكن وبينما كان يتنقل بسلاسة بين العربية والفارسية، فتحت أحاديث جانبية خاصة بعد انتهاء المفاوضات. حينها طلب أحد كبار المسؤولين من لاريجاني الإبقاء عليه في السفارة للاستفادة من قدرته على بناء جسور التواصل الثقافي واللغوي.
لم يكن أحد يتوقع أن تلك الملاحظة العابرة ستقود لاحقًا إلى فكرة أكثر طموحًا: تأسيس أول مستشارية ثقافية إيرانية في دول مجلس التعاون الخليجي.
لكن القصة، بقدر ما تبدو لطيفة وتعبر عن علاقات ودية، بقدر ما تفتح نافذة لمراجعة العلاقات الإيرانية العربية، التي ظلت لعقود رهينة التناقضات السياسية والهواجس الأمنية، بقدر ما أنها محكومة بقواسم الجغرافيا والتاريخ.
فالرؤى العربية تجاه إيران لم تكن يومًا موحدة؛ إذ تنقسم بين من يرى فيها دولة جارة ذات ثقل حضاري وإقليمي لا يمكن تجاوزه، وبين من يرى سياساتها مصدرًا دائمًا للاضطراب وعدم الاستقرار في الإقليم.
وقد ازدادت هذه الهوة اتساعًا خلال ما بات يُعرف بحرب الأربعين يومًا بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، والتي دارت رحاها في أراضي وسماء المنطقة، خاصة الخليجية، فضلًا عن إيران وإسرائيل، وانسحبت لتصل إلى المياه الخليجية ومضيق هرمز.
يقول دبلوماسي خليجي سابق: "مشكلتنا مع إيران ليست في كونها دولة كبيرة ومؤثرة، بل في الطريقة التي تستخدم بها هذا التأثير داخل البيئة العربية". وهي رؤية تتكرر بدرجات متفاوتة في أكثر من عاصمة عربية، وهذا حديث يطول نقاشه.
ما الفائدة؟
خلال العقود الماضية، لم تدخر إيران جهدًا في تنظيم مؤتمرات ثقافية ودينية وفكرية تحت عناوين متعددة، من حوار الحضارات إلى التقريب بين المذاهب وتعزيز التفاهم الإسلامي. عشرات المؤتمرات والندوات واللقاءات استضافتها طهران ومدن إيرانية أخرى بمشاركة شخصيات عربية وإسلامية.
غير أن الانطباع العام هو أن الخطاب الثقافي لم ينجح في تجاوز العقبات السياسية والأمنية، وأن نتائج تلك المؤتمرات بقيت محدودة التأثير على أرض الواقع، خاصة أنها في الغالب لبست عباءة الدين قبل كل شيء، ما جعلها مؤطرة بنطاقات محددة.
واليوم، وعلى وقع تداعيات الحرب الأخيرة، تعود السجالات القديمة بثوب جديد. فطهران وجّهت انتقادات حادة إلى بعض دول المنطقة، متهمة أطرافًا فيها بتوفير أشكال من الدعم السياسي أو اللوجستي للعمليات الأميركية والإسرائيلية ضدها.
وفي المقابل، ترفض الدول الخليجية هذه الاتهامات، وتؤكد أنها كانت من أوائل الداعين إلى وقف التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
خليجيًا.. الدبلوماسية تتقدم
ومع ذلك، وبعد أن هدأت نيران المعركة العسكرية، يتصاعد الحديث عن أهمية الحوار، ولا سيما بعد توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، وما كان يُتصوَّر أنه غير ممكن قبل بضعة أسابيع بات اليوم أمرًا واقعًا.
وإذا كانت العلاقات الإيرانية - العُمانية، لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا، تحافظ على وتيرة جيدة دائمًا، فإن قطر، بدورها الدبلوماسي الصاعد بشكل كبير منذ سنوات، تمكنت بدعمها جهود باكستان من الوصول بطهران وواشنطن إلى مذكرة تفاهم يمكن البناء عليها للوصول إلى اتفاق نهائي، بل وعقد الاجتماع الأول وإطلاق المباحثات التقنية، والبدء في العمل عبر مسارات دبلوماسية مختلفة لمعالجة المشهد الإقليمي.
هذا بالإضافة إلى اتصالات دبلوماسية ردمت نوعًا ما الهوة بين إيران وعدد من الدول، وعززت المنهج الدبلوماسي، كالاتصالات التي جرت بين وزراء خارجية إيران والكويت والإمارات ودول أخرى.
العراقيل والعقبات أمام مذكرة التفاهم
على وقع "الخروقات الإسرائيلية" في لبنان، وجدل "ممرات" مضيق هرمز وإدارته، وصولاً إلى "تفسيرات" مصاريف أموال إيران المفرج عنها، يبدو تنفيذ مذكرة التفاهم، كما وصفته المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، بأنه نقل للمعركة من الساحة العسكرية الخشنة إلى الساحة الدبلوماسية.
لكن هذا النقل لا يبدو أنه كامل، إذ ومع دخول الحرب شهرها الرابع (ويتضمن ذلك وقف إطلاق النار ومذكرة التفاهم)، عادت الضربات العسكرية المتبادلة إلى المشهد.
تثبيت معادلة أمنية إقليمية جديدة تمتد من مضيق هرمز إلى لبنان وصولًا إلى باب المندب، تعتقد طهران أنها ثبتتها خلال المعركة، وترجمتها في مذكرة التفاهم مع واشنطن. معادلة خلقت لها الولايات المتحدة مسارات موازية عديدة:
-
جبهة لبنان:
إذا كان اجتماع بيرغنشتوك في سويسرا قد أفضى إلى "خلية فض نزاع" إيرانية - أميركية - لبنانية بمشاركة الوسيطين القطري والباكستاني للمضي قدمًا في تنفيذ البند الأول من مذكرة التفاهم الداعي لإنهاء الحرب على جميع الجبهات، وهو ما تفسره طهران بوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، فإن واشنطن دفعت بوساطة بين لبنان وإسرائيل إلى اتفاق إطاري، وهو ما أثار عاصفة من المواقف وردود الأفعال في لبنان والمنطقة.
-
مضيق هرمز:
فيما يخص مضيق هرمز: أُعلن عن مسار جديد في المياه العُمانية بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، موازٍ للمسار الإيراني المعلن منذ فتح المضيق، وهي خطوة دفعت الأمور إلى حافة الهاوية.
إصابة عدد من السفن عرقلت المسار الجديد وأدت إلى تبادل ضربات عسكرية بين إيران والولايات المتحدة، لم تكن دول خليجية بمنأى عنها، خاصة البحرين والكويت. وهو ما تقول طهران إنه نقض لمذكرة التفاهم التي تنص على أن فتح المضيق خلال 30 يومًا منوط بإيران، ومستقبله منوط بتنسيق إيراني - عُماني مع دول المنطقة، وهو ما اتخذ بشأنه خطوات كتشكيل لجنة مشتركة إيرانية عمانية أعلن عنها في بيان مشترك، تناقش إدارة الملاحة في مضيق هرمز مستقبلًا والخدمات ذات الصلة التي ستُقدم في هذا الشأن، فضلاً عن التكاليف المرتبطة بهذه الخدمات وفقًا للمعايير الدولية. كما اتفق الطرفان على إجراء مشاورات ومناقشات مع الدول الساحلية في المنطقة ومع الأطراف المعنية الأخرى.
-
الأموال الإيرانية المجمدة
يضاف إلى ذلك تفاوت التفسيرات والتصريحات الإيرانية والأميركية حول كيفية إنفاق الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، والتي ستفرج عنها الولايات المتحدة بحسب مذكرة التفاهم.
فبينما يؤكد الرئيس الأميركي ومسؤولون آخرون أن هذه الأموال مخصصة لشراء سلع زراعية أميركية، تنفي إيران ذلك وتقسم الأموال إلى جزئين: ستة مليارات دولار مرتبطة باتفاقية سابقة لعام 2023 ستنفق لشراء سلع أساسية لكن ليس بالضرورة أميركية كما يقول حاكم مصرف إيران المركزي، أما البقية فربما تُستخدم لأغراض أخرى. يقول معاون الرئيس الإيراني للشؤون التنفيذية إنها ستخصص لتطوير البنية التحتية في البلاد من المنشآت النفطية إلى طرق الترانزيت.
كل هذا يضع تنفيذ مذكرة التفاهم الإيرانية - الأميركية أمام تحديات حقيقية، حيث تأجل اجتماع تقني كان مقررًا في 29-6-2026 على خلفية كل ذلك. تقول إيران إن تنفيذ البنود الأولية يشكل شرطًا للمضي قدمًا في المفاوضات، وهي البنود 1 و4 و5 و10 و11.
المنطقة بين اجتماعين
اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي ووزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو في البحرين أثار حفيظة إيران. وإذا كان وزراء خارجية الدول الخليجية وأميركا قد أعربوا في بيان الاجتماع عن التزامهم القوي بالشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون، ورحبوا بالتوقيع على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، فقد شددوا على ضرورة الحفاظ على زخم المفاوضات ووحدتها في سبيل التوصل إلى إنهاء دائم للأعمال العدائية، وتحقيق الهدف المشترك المتمثل في منع إيران من تطوير سلاح نووي أو حيازته بأي شكل من الأشكال، مؤكدين أن تحقيق السلام والأمن الدائمين في المنطقة يتطلب التصدي لجميع أشكال التهديدات الإيرانية، بما في ذلك صواريخها الباليستية وطائراتها المسيّرة ودعمها للوكلاء في المنطقة.
كما شدد الوزراء على أهمية إعادة فتح مضيق هرمز، مشيرين إلى أن حرية الملاحة غير المشروطة وغير المقيّدة، بما في ذلك حق المرور العابر المكفول بموجب القانون الدولي، تظل أمرًا جوهريًا للأمن الإقليمي والعالمي، معلنين رفضهم فرض أي رسوم أو ضرائب أو محاولات لفرض السيطرة على المضيق، ومؤكدين أن "أي تجارة واستثمار مع إيران مشروطة وقابلة للإلغاء، إذ تظل مرهونة بالتزام إيران بمذكرة التفاهم والاتفاق النهائي، ووقف سلوكها المزعزع للاستقرار، وتهيئة الظروف اللازمة للتعاون الاقتصادي".
طهران أدانت البيان واصفة إياه بالتدخلي وغير المسؤول والاستفزازي، معتبرة أن استخدام الولايات المتحدة للقواعد والمنشآت العسكرية الموجودة في دول المنطقة خلال العدوان على إيران أثبت بوضوح أن واشنطن لا تولي أي أهمية لأمن دول المنطقة أو للعلاقات فيما بينها، معتبرة أن ما طُرح حول البرنامج النووي الإيراني في البيان أكاذيب، لافتة إلى أن السلام والأمن المستدامين في المنطقة لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال بناء الثقة والتعاون المتبادل بين دول المنطقة بعيداً عن التدخلات الأميركية.
وأكد البيان الإيراني أن إيران لن تبدي أي تساهل مطلقًا في الدفاع عن سيادتها وقدراتها المرتبطة بذلك، وانتقد وصف حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية بأنها قوى تابعة لإيران.
بالتزامن مع ذلك جهود إقليمية لعقد اجتماع إيراني – خليجي. وإذا كانت وكالة "رويترز" قد نقلت عن مصدر دبلوماسي مطلع بأن رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بحث في مسقط الأربعاء الماضي إطلاق مفاوضات تشمل إيران والعراق والدول الخليجية بشأن فتح مضيق هرمز وتشغيله مستقبلًا، فإن الوكالة نقلت عن المصدر أن خططًا جارية لعقد محادثات مصالحة إقليمية منفصلة بين إيران والدول الخليجية في الرياض. كما قال وزير خارجية العراق فؤاد حسين، خلال زيارة نظيره الإيراني عباس عراقجي إلى بغداد، إن بغداد ترحب باستضافة اجتماع 6 + 2 (الدول الخليجية وإيران والعراق) للتشاور حول الأوضاع الأمنية في المنطقة.
وبين الاجتماع الخليجي - الأميركي، والخليجي - الإيراني المتوقع، يبدو أن المقاربات الأمنية للمنطقة بدأت تدخل منعطفات جديدة، بعد أن شهدت سياسات بعض دول المنطقة انفتاحًا على الصين وروسيا في السنوات الأخيرة.
ويبدو أن جميع دول المنطقة باتت اليوم أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بأن الاستقرار الاقتصادي وإنجاز المشاريع التنموية وجذب الاستثمارات الأجنبية تتطلب خفض التوترات الجيوسياسية وتشكيل ترتيبات أمنية محلية في المنطقة.
لكن بالتأكيد، لا ينبغي افتراض أن جميع الخلافات التاريخية بين إيران وبعض الدول العربية قد زالت؛ فما زالت هناك قضايا عديدة عالقة، ولن يُحل انعدام الثقة المتراكم بين عشية وضحاها.
لكن يبدو أن المختلف اليوم هو الرغبة والإرادة السياسية لإدارة الخلافات في ظل واقع أمني وجيوسياسي يفرض نفسه على المنطقة، وهذا حتمًا مرتبط بمدى نجاح تنفيذ مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية.
بعيدًا عن السياسة
لكن بعيدًا عن الاجتماعات السياسية والتطورات الميدانية، وحتى مصير مذكرة التفاهم الإيرانية - الأميركية، لا يزال الشارع الإيراني مشغولًا بهمه الأكبر: الاقتصاد!.
فقد أظهرت الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية في إيران مستويات تفوق بكثير معدل التضخم السنوي، إذ تجاوز معدل التضخم السنوي لهذه المجموعة 90%، بينما سجلت أسعار بعض السلع الأساسية، بما فيها الزيوت واللحوم ومنتجات الألبان، زيادات تراوحت بين 150% و270% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، كما سجلت أسعار الخبز والحبوب ارتفاعات كبيرة، ليكون التضخم في المواد الغذائية هو الأعلى منذ عام 2012.
وكشف التقرير الجديد الصادر عن مركز الإحصاء الإيراني لشهر يونيو/ حزيران 2026 استمرار الفجوة الكبيرة بين تضخم المواد الغذائية والتضخم العام، إذ بلغ معدل التضخم السنوي في البلاد 62%، فيما وصل معدل التضخم النقطي إلى 88.6%.
وإذ يكشف التقرير تراجع سرعة ارتفاع الأسعار في ظل تراجع التضخم الشهري، إلا أن ارتفاع التضخم السنوي يبقى قائمًا، وهو ما يرجعه خبراء الاقتصاد إلى عوامل عديدة أهمها: تبعات الحرب، وتوحيد سعر صرف العملة الأجنبية قبل الحرب، وزيادة الرواتب من قبل الحكومة منذ بداية العام الإيراني (بدأ في 21 مارس/ آذار 2026) بمعدل 60%، والاحتكار الموجود في الأسواق لبعض السلع، إضافة إلى سعي الحكومة الإيرانية منذ سنوات إلى تسليم الأمور للسوق نفسه لجهة الأسعار.
وفي حديث الأرقام تفاصيل كثيرة، لا تنتهي عند ارتفاع مستويات التضخم في الأرياف أكثر من المدن في إيران، ولا عند تجاوز التضخم في يونيو/ حزيران حد المئة في 11 محافظة إيرانية من أصل 31، بينما كان الأمر محصورًا في أربع محافظات الشهر الفائت.
حزن وكرة قدم.. مقاهٍ ومواكب عزاء
كل هذا لم يشغل الإيرانيين عن متابعة فريقهم الوطني في كأس العالم لكرة القدم، ولا عن ممارسة طقوسهم في العشرة الأولى من شهر محرم وصولًا إلى تاسوعاء وعاشوراء، ولا حتى عن الجلوس في المقاهي.
فتحت أماكن عديدة أبوابها لمحبي كرة القدم، ووسط آلام كثيرة علق الإيرانيون آمالهم على فريقهم بحثًا عن الفرح، لكن الحظ وأمورًا كثيرة أخرى لم تساعد المنتخب الإيراني في الصعود إلى الدور التالي، وإن عاد لأول مرة من كأس العالم دون تسجيل أي خسارة.
وإذا كانت مواكب العزاء مشهدًا معتادًا في طهران في شهر محرم منذ قرون، فإن المقاهي باتت أيضًا حاضرة بقوة، ليس عددًا فقط، وإنما من حيث دورها في رسم الفضاء العام. فاليوم باتت تبدو بالنسبة لكثير من الإيرانيين كما كان يقول الكاتب الفرنسي جان بول سارتر: "في المقهى أجد وحدتي بين الناس". لكنها أيضًا بالنسبة لكثيرين أكثر من مكان لشرب القهوة أو لقاء الأصدقاء، فهي ملتقى للأفكار والحكايات.
وهذا ما لمسته حين جلست في مقهى فتح أبوابه قبل أشهر فقط من الحرب. هناك جلست فكانت الصورة مختلفة تمامًا عما عهدته في طهران لسنوات. مقهى بتصميم وديكور مختلف، أجزاء مغلقة وأخرى سقفها السماء، وإطلالة على مقام "إمام زادة صالح" الديني، حيث دُفن في باحته أيضًا عدد من علماء إيران النوويين وأحد ضحايا الطائرة الأوكرانية التي أُسقطت خطأ من قبل إيران عام 2020، وأخيرًا علي شمخاني أمين المجلس الأعلى للدفاع في إيران الذي اغتيل في حرب الأربعين يومًا.
هناك جلست وحيدًا أكتب هذه الكلمات، بينما كانت الأصوات تتداخل في أذني بين همهمات أحاديث الجالسين في المقهى، وهي التي تصنع ربما ما سيكون في المستقبل ذاكرة الأمس، وموسيقى أجنبية من إذاعة المقهى، وأدعية دينية من مقام "إمام زادة صالح"، ولطميات من موكب عزاء عاشورائي في ساحة تجريش. أصوات متنوعة تشبه التنوع في المجتمع الإيراني اليوم أكثر من أي وقت مضى، تتوحد في الأوجاع ربما وتختلف في طرق البحث عن الحلول.