بينما تتجه الأنظار في موسكو وواشنطن، وعواصم كبرى حول العالم، إلى ما قد يكون واحدة من أهم القمم وأكثرها حساسية في السنوات الأخيرة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب، تشير التطورات الأخيرة في مسار التحضير لهذا اللقاء إلى أن الأزمة الأوكرانية تدخل مرحلة شديدة السيولة السياسية، حيث تتداخل بوضوح الحسابات الداخلية في واشنطن مع اعتبارات موسكو، فضلًا عن هواجس الساحة الأوروبية.
ما يجعل هذا اللقاء مختلفًا، ليس فقط توقيته، بل أيضًا التداخل غير المسبوق بين حسابات اللحظة التفاوضية وضغوط البيئة السياسية في العاصمتين الكبيرتين.
النفي الأميركي للشرط المسبق وتداعياته
في واشنطن، جاء إعلان ترمب نفيه وجود أي شرط مسبق يقضي بحضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اللقاء المرتقب مع بوتين، ليمحو بذلك رسميًا ما تداولته وسائل الإعلام الأميركية حول هذه المسألة.
لكنّ المفارقة أن هذا الإعلان جاء في اليوم الذي انتهت فيه، بالمصادفة، مهلة التهديدات الأميركية بفرض عقوبات واستخدام سلاح الرسوم الجمركية في حال عدم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في أوكرانيا… إلا أن القصف لم يتوقف.
بهذا المعنى، أزال هذا النفي من جانب ترمب حاجزًا شكليًا من طريق القمة، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام نقاشات داخلية أكثر تعقيدًا، إذ تخشى أوساط سياسية وإعلامية من تكرار مشهد قمة هلسنكي عام 2018 بين الرئيسين، حين خرج ترمب ليواجه اتهامات بأنه قدم تنازلات مجانية لبوتين.
القلق الأوروبي والضغوط المتبادلة
ويبدو أنّ هذا القلق لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يمتد إلى العواصم الأوروبية وكييف، التي ترى في أي انفتاح أميركي–روسي مباشر تهديدًا لمصالحها التفاوضية.
اللافت أن ترمب أبقى ملف المهلة أو "الإنذار الأميركي" مفتوحًا، مكتفيًا بالقول إن فرض العقوبات الجديدة سيعتمد على سلوك موسكو، مضيفًا أنه لا يزال يشعر بخيبة أمل كبيرة. هذا التعليق القصير على الطريقة "الترامباوية" يترك مساحة واسعة للمناورة، إذ يتيح له خيار الإعلان عن إجراءات اقتصادية جديدة أو تأجيلها، كما فعل سابقًا في ملف الرسوم الجمركية على الهند.
هذا الغموض، الذي يستخدمه ترمب بكثرة، يخدم هدفًا مزدوجًا: الإبقاء على الضغط وفي الوقت ذاته عدم إغلاق الباب أمام التفاهم مع بوتين قبل القمة.
الموقف الروسي: انضباط ومرونة مشروطة
أما على الجانب الروسي، فتبدو الرسائل أكثر انضباطًا. فقد أكد يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية، بوضوح، وجود اتفاق على عقد القمة في الأيام المقبلة، مشيرًا إلى أن مكان انعقادها تم تحديده، دون الإفصاح عنه.
بوتين نفسه، خلال استقباله رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد في الكرملين يوم 7 أغسطس/ آب، أشار إلى أن الإمارات من بين الخيارات الممكنة لاستضافة اللقاء، مؤكدًا أن الاهتمام بعقد القمة متبادل.
وفي خطوة تبدو ذكية لتخفيف الضغط الإعلامي عن ترمب، أبدى بوتين مرونة مشروطة حيال إمكانية لقائه زيلينسكي. فبعدما كان يرفض بوضوح منح الأخير هذا "الشرف"، ترك هذه المرة الباب مفتوحًا أمام مثل هذا اللقاء، لكنه ربط ذلك بتوافر الظروف والشروط المناسبة، في رسالة تؤكد أن القرار في هذا الشأن سيظل بيد موسكو.
تسريبات "خطة ويتكوف" والتحديات الثلاثة
إلى جانب ذلك، ظهرت في الإعلام تسريبات غير مؤكدة عن "خطة ويتكوف" المحدثة، التي يُقال إنها تشمل وقف إطلاق النار، ورفع العقوبات عن روسيا، وتأجيل البت القانوني في ملف الأراضي التي ضمتها موسكو لمدة 49 سنة على الأقل، من دون التطرق إلى مسألة توسع الناتو أو وقف الدعم العسكري لأوكرانيا.
ورغم أن هذا الطرح – إذا صح – يتقاطع مع بعض المطالب الروسية، فإن تمريره يصطدم بثلاثة عوائق رئيسية:
- أولها، هشاشة الضمانات طويلة الأمد، فترامب لن يبقى في منصبه إلى الأبد.
- وثانيها، قابلية أوكرانيا لمراجعة التزاماتها في أي وقت.
- وثالثها، الموقف الأوروبي الرافض للاعتراف بأي تغييرات حدودية بالقوة، ما يعني – ضمنيًا – الإقرار بهزيمة سياسية لأوروبا أمام روسيا في هذه الجولة من الصراع.
ارتباك البيت الأبيض وتأثير اقتراح بوتين
نقطة أخرى لافتة برزت عقب لقاء بوتين وويتكوف يوم 6 أغسطس، إذ يبدو أن فكرة القمة الروسية–الأميركية، التي على الأرجح اقترحها بوتين بصورة مفاجئة – كما اعتاد – وبمهارة لاعب شطرنج بارد الأعصاب، أربكت جدول العقوبات الأميركي المبرمج، وربما فاجأت البيت الأبيض نفسه.
تحليلات روسية متزنة تشير إلى أن اقتراح بوتين وضع الإدارة الأميركية أمام معضلة الجمع بين التحضير لقمة رفيعة المستوى معه، والحفاظ في الوقت نفسه على ضغط العقوبات، ما قد يدفعها إلى البحث عن حلول وسط، مثل العقوبات المؤجلة – كما حدث في حالة الهند - أو العقوبات المحدودة النطاق.
في المقابل، تدرك موسكو أن اللحظة السياسية الراهنة تتيح لها اختبار حدود استعداد واشنطن للتفاوض خارج الإطار التقليدي متعدد الأطراف. فإذا كان الكرملين وبوتين يفضلان صيغة ثنائية مباشرة، فإن أوروبا وأوكرانيا ستسعيان إلى منع هذا المسار من التحول إلى صفقة ثنائية تُفرض نتائجها على الأطراف الأخرى وتُسقط فوقيًا على زيلينسكي وستارمر وماكرون وميرتس وبقية حلفائهم.
رد فعل الأسواق الروسية وتوقعات القمة
من المهم أيضًا الإشارة إلى أن الأسواق الروسية تفاعلت فورًا مع أنباء القمة، إذ ارتفع مؤشر الأسهم بأكثر من 5%، في انعكاس لرهان المستثمرين على أن اللقاء قد يفضي إلى تخفيف ملموس للعقوبات، ولو جزئيًا، بما ينعكس إيجابًا على مناخ الأعمال في روسيا.
لكن هذه الثقة المبدئية تبقى مشروطة بقدرة الطرفين على الوصول إلى تفاهم فعلي، وهو أمر لا يمكن الجزم به في هذه المرحلة.
اللافت أيضًا أن المسار التفاوضي ما زال بلا جدول أعمال نهائي واضح، فيما يشير التحليل الروسي إلى أن القمة، إذا عُقدت في ظل المعطيات الحالية، قد تكون أقرب إلى اجتماع مفتوح على الاحتمالات، بدلًا من لقاء يختتم بتوقيع حزمة اتفاقات معدة سلفًا.
هذا النمط يمنح الرئيسين مجالًا أوسع للمناورة، لكنه يزيد أيضًا من مخاطر أن ينتهي اللقاء بلا نتائج ملموسة، أو أن تتحول نتائجه إلى مادة للجدل الداخلي في واشنطن.
اختبار متبادل واستراتيجيات الطرفين
ومن منظور أوسع، يمكن القول إن ما يحدث الآن هو مرحلة اختبار متبادل، إذ يسعى كل طرف إلى استكشاف مدى استعداد الآخر للانتقال من الضغط المتبادل إلى تفاهمات عملية.
بالنسبة لبوتين، فإن الهدف هو تثبيت صيغة تفاهم مباشر مع واشنطن في عهد ترمب، يمكن عبرها إعادة رسم قواعد الاشتباك في الملف الأوكراني.
أما بالنسبة لترمب، فإن نجاح القمة قد يشكل ورقة سياسية قوية قبيل انتخابات التجديد النصفي، خاصة إذا تمكن من تقديمها لجمهوره على أنها إنجاز دبلوماسي يفتح باب التسوية.