عاد لبنان إلى مقعد الانتظار، جالسًا على قارعة الطريق حتى إشعار آخر، وسط محطة مزدحمة بركّاب لكل منهم وجهة وسبيل مختلف.
وبالنظر من بعيد إلى المشهد اللبناني، يبدو الحاضر غامضًا وضبابيًا؛ فلا أجوبة حاسمة ولا قدرة على قراءة المرحلة المقبلة لدى كثيرين. وحدهم اللاعبون السياسيون المتمرّسون والدبلوماسيون المخضرمون قادرون على رسم خطوط أولية للصورة، صورة تتصدّرها المخاوف الأمنية.
لا يخفي هؤلاء مخاوفهم من التصعيد العسكري الإسرائيلي. فالسفيرة الأميركية ليزا جونسون، خلال لقاءاتها بعدد من المسؤولين السياسيين والدبلوماسيين، أكدت أن ما تقوم به إسرائيل في لبنان سيتواصل وربما يتوسع ليصل إلى الضاحية الجنوبية لبيروت بل إلى العاصمة نفسها.
وفي المقابل، تبدو الحكومة عاجزة عن تنفيذ التزاماتها، حيث لا يزال هناك نحو 200 مخزن لحزب الله جنوب الليطاني، فيما تتعثر خطة الجيش لنزع السلاح لأسباب عدّة: أولها أن المرحلة الأولى من الخطة تبدأ في جنوب الليطاني، ما يجعل التنفيذ مستحيلًا في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لخمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية، أما ثانيها فيتعلق بقدرة الجيش العسكرية واللوجستية، التي تحدث عنها قائده صراحة أمام الحكومة.
مصدر دبلوماسي: مؤتمر دعم الجيش مؤجَّل
في هذا السياق، يكشف مصدر دبلوماسي للتلفزيون العربي أن مؤتمر دعم الجيش المقرر عقده برعاية فرنسية - سعودية مؤجَّل، وأن ربطًا مباشرًا يجري بين عقده وبين ملف نزع سلاح حزب الله. فلا دعم للجيش ولا مؤتمر قبل حصرية السلاح، ولا قدرة للجيش على التنفيذ من دون دعم، لتدخل العملية في حلقة مفرغة، ويبقى الوضع الراهن على حاله وسط تصاعد التهديدات الإسرائيلية بالتصعيد.
وما يعزز المخاوف الأمنية من إسرائيل، بحسب المصدر الدبلوماسي نفسه، هو المناخ الذي خرج به الاجتماع الأخير للجنة مراقبة وقف إطلاق النار. ففي رأس الناقورة، بدا الجو ضبابيًا في ذلك الأحد، إذ خرجت مورغان أورتاغوس من الاجتماع ببرود واضح، من دون أن توجه تحية للجيش أو تثني على عمله. والإشارة الوحيدة التي أعطتها، وفق ما نقلته مصادر في السفارة الأميركية للتلفزيون العربي، أن اجتماعًا آخر سيُعقد، من دون تحديد موعد.
غير أن العجز الميداني أو اللوجستي ليس أصل المعضلة؛ بل إن موقف حزب الله هو الأساس. فبحسب المصدر الدبلوماسي، موقف الحزب نهائي: لا تسليم للسلاح لا جنوب الليطاني ولا شماله. موقف يعزّزه استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، والاحتلال القائم، وغياب أي ضمانات داخلية أو خارجية لإعادة الإعمار. والسؤال: بأي ثمن يسلّم الحزب سلاحه؟
مشهد سياسي مأزوم
ينعكس هذا الموقف على المشهد السياسي المأزوم، حيث يراوح الوضع مكانه وسط التعقيدات المستمرة، والتباين الأخير بين رئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام في أول مطبّ يواجهه عهد عون. وما زاد الصورة قتامة، مع تصاعد الانتقادات للطرفين، خطوة عون الأخيرة بتقليد قائد الجيش الوسام الأكبر، في وقت بدا فيه التعاطي الدولي مع لبنان هامشيًا خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. فلقاءات رئيس الجمهورية التي أعلن عنها مكتبه، بقيت في المرتبة الثانية، بينما تصدّر المشهد الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع.
أما في ما خصّ العلاقة اللبنانية - السورية، والتي يُفترض تصحيحها بعد سقوط نظام الأسد، فيؤكد مصدر دبلوماسي كبير للتلفزيون العربي أنها لا تزال متوترة على خلفية ملف المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية. ويكشف المصدر أنه لن تكون هناك أي زيارة رسمية من الجانب السوري إلى لبنان قبل إنهاء هذا الملف، وأن وزير الخارجية أسعد الشيباني لن يزور بيروت قبل تسوية قضية المعتقلين، سواء عبر تبادل أسرى أو صيغة أخرى تضمن استعادة هؤلاء. ولا يخفي المسؤولون اللبنانيون امتعاضهم من الموقف السوري بعد الزيارة الأخيرة، إذ يعتبر لبنان أنه بادر بعدة خطوات لم تقابل بخطوات مماثلة من دمشق.
في الخلاصة.. يبقى لبنان وحيدًا في مستنقع تحدياته السياسية والأمنية، داخليًا وخارجيًا، متأرجحًا على رهان تبدلات إقليمية، فيما يبدو أن الخاسر الوحيد في هذا الرهان، كما في كثير من رهاناته السابقة، لن يكون إلا لبنان.