بعد أكثر من عشرة أيام على اندلاع العدوان الإسرائيلي على لبنان، تبدو الجبهات مفتوحة على امتداد الجغرافيا اللبنانية، من الجنوب إلى البقاع، وصولًا إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وحتى عمق العاصمة.
إنّه مشهدٌ ميداني متسارع يرسم ملامح مرحلة جديدة قد تتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لتؤشّر إلى مسار طويل من الاستنزاف وإعادة تشكيل الوقائع الجغرافية والعسكرية، ولا سيما في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.
وعلى خلاف عدوان عام 2024، حين ركّزت إسرائيل عملياتها البرية في القطاع الغربي على محور شمع وصولًا إلى البياضة، وفي القطاع الأوسط ضمن مثلث رامية - القوزح - عيتا الشعب، ومثلث يارون - مارون الراس - بنت جبيل، إضافة إلى القطاع الشرقي الممتد من كفركلا إلى الخيام، يبدو أنّ الخطة العسكرية الحالية تعيد توزيع الثقل العملياتي.
فقد بات التركيز الأساسي ينصبّ على القطاعين الأوسط والشرقي، وصولًا إلى تخوم جبل الشيخ في شبعا وكفرشوبا، فيما اقتصر النشاط العسكري في القطاع الغربي على محاولة توغّل محدودة في الضهيرة لم تلبث أن توقفت سريعًا.
خريطة الاشتباك في الجنوب:
المحاور الأكثر سخونة
ميدانيًا، يمكن توصيف الواقع العسكري في الجنوب وفق عدة محاور أساسية:
-
محور شبعا والشرق: توغلات استطلاعية وجس نبض ميداني
في أقصى القطاع الشرقي، في شبعا، حيث تنتشر الفرق الإسرائيلية 210 و162 و91، إضافة إلى الفرقة 36 المكلّفة تنفيذ عمليات خاصة ومستقلة، تنفّذ القوات الإسرائيلية عمليات توغّل توصف بالاستطلاعية، تقوم على دخول محدود داخل الأراضي اللبنانية يعقبه انسحاب سريع إلى ما وراء الحدود، في نمط عملياتي يوحي بمحاولات جسّ النبض الميداني واختبار خطوط الدفاع.
- جبهة الخيام: المحور الأخطر وتوغّل هو الأعمق حتى الآن
تحوّلت إلى إحدى أبرز ساحات الاشتباك المباشر، إذ تبدو عملية التقدّم الإسرائيلي الأعمق حتى الآن، وتشير المعطيات إلى توغّل يتراوح بين خمسة وسبعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. ويُعدّ هذا المحور الأكثر خطورة في المرحلة الراهنة، حيث تدور المعارك الأعنف داخل البلدة.
فيديو - آليات الجيش الإسرائيلي تتوغل داخل بلدة الخيام اللبنانية
-
مثلث العديسة - مركبا - الطيبة: محاولة لتثبيت شريط أمني أوسع
في محور العديسة باتجاه مركبا، يتمركز العدد الأكبر من الآليات العسكرية الإسرائيلية، حيث رُصد انتشار عشرات الدبابات التي تتحرّك بين الطيبة ورب ثلاثين. كما سُجّلت تحشّدات عسكرية في بلدة حولا تنفّذ عمليات باتجاه طلوسة ومجدل سلم، مع توغّل لعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
-
القطاع الأوسط (مارون الراس وعيتا الشعب): مواجهات تعيد إلى الأذهان سيناريو الاجتياح
في القطاع الأوسط، تشهد بلدات عيترون ومارون الراس ويارون اشتباكات يومية، وقد سُجّل تمركز للقوات الإسرائيلية داخل بلدة مارون الراس، في مشهد يعيد إلى الأذهان سيناريو عام 2024.
أما محور عيتا الشعب – القوزح – رامية، فقد شهد بدوره مواجهات انتهت بتمركز قوة إسرائيلية داخل مركز للجيش اللبناني في بلدة القوزح.
استراتيجية "الأرض المحروقة": تهجير وتوسيع للمنطقة العازلة
تترافق هذه العمليات مع استمرار أوامر الإخلاء لسكان القرى الواقعة جنوب الليطاني، إضافة إلى بلاغات عبر لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية لسكان بلدة علما الشعب بضرورة المغادرة، قبل أن تتمركز القوات الإسرائيلية في مركز لحلح التابع للجيش اللبناني عند أطراف البلدة.
هذا المشهد يكرّس واقع التهجير والتدمير، وينذر بكارثة عسكرية واجتماعية وإنسانية في الجنوب، حيث تشير المعطيات إلى أن الهدف الإسرائيلي يتجاوز تدمير البنية التحتية العسكرية؛ إذ تسعى تل أبيب لتحويل شريط بطول 110 كيلومترات وعمق 7 كيلومترات إلى "أرض محروقة" خالية من السكان.
وخلال الأيام العشرة الأولى من الحرب، أنشأ الجيش الإسرائيلي خمس نقاط عسكرية إضافية داخل جنوب لبنان، بينها مواقع كانت تعود للجيش اللبناني، تضاف إلى خمس نقاط أخرى كان يحتلها منذ وقف الأعمال العدائية.
الجيش اللبناني: انتشار بلا قرار مواجهة
في موازاة ذلك، ورغم استمرار القصف الإسرائيلي على قرى جنوب الليطاني، لا يزال الجيش اللبناني يحافظ على عديد يقارب عشرة آلاف عسكري في المنطقة، مع إعادة تموضع فرضتها الاعتبارات الأمنية.
ومع ذلك، تبقى الفاعلية الميدانية للمؤسسة العسكرية محكومة بغياب قرار سياسي واضح من الحكومة اللبنانية يحدّد آلية الرد على الاعتداءات الإسرائيلية.
فحتى الآن، لم تُعطَ أوامر بالمواجهة المباشرة، ما يضع الجيش في موقف دفاعي، أكثر منه طرفًا فاعلًا في المعادلة الميدانية.
انتشار الفرق الإسرائيلية في الجنوب
- تنتشر الفرقة 146 المدرعة على امتداد الساحل من الناقورة وصولًا إلى أطراف جبل الشيخ في شبعا، فيما تنتشر الفرق 210 و162 وأجزاء من الفرقة 36 من الوزاني حتى جبل الشيخ.
- تتمركز سريتان إسرائيليتان في محيط موقع الحمامص، وهو أحد المواقع العسكرية التي استحدثها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية بعد وقف إطلاق النار، إضافة إلى تمركز مماثل في العديسة.
- في حولا ومحيط عيترون، نُشرت سرية واحدة، بالتوازي مع نشر لواء كامل على خط الاشتباك الأول، مع استمرار الغارات الجوية وعمليات التدمير.
وعلى المستوى الاجتماعي والإنساني، وبفعل الغارات المكثفة وأوامر الإخلاء المتكررة، يواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ سياسة إفراغ ممنهجة لبلدات الجنوب من سكانها.
الضاحية تحت الضغط: من بيئة حاضنة إلى هدف مركزي
تتسع هذه المقاربة لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، التي شهدت في الساعات الأخيرة أعنف موجة غارات منذ بدء الحرب. فقد شنّ الجيش الإسرائيلي هجومًا واسع النطاق استهدف مناطق متعددة في الضاحية، في محاولة واضحة لتوجيه ضربة قاسية للبنية التنظيمية واللوجستية للحزب، ولإيصال رسالة ردعية بعد إطلاق نحو مئة صاروخ من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل.
أعنف موجة غارات تضرب الضاحية الجنوبية بعد إطلاق "حزب الله" عملية العصف المأكول
غير أنّ هذا التطور يرسّخ، في الوقت نفسه، معادلة تصعيد متبادل: فكلما حافظ الحزب على وتيرة إطلاق الصواريخ، مالت إسرائيل إلى توسيع نطاق ضرباتها، سواء جغرافيًا عبر استهداف الضاحية والبقاع، أو نوعيًا عبر تكثيف الضربات على ما تعتبره بنية تحتية عسكرية للحزب، بل والذهاب إلى حد التهديد بالبنية التحتية للدولة اللبنانية، بحسب ما أُشيع عن مضمون رسالة أميركية للمسؤولين اللبنانيين في هذا الإطار، إذا لم ينجح لبنان الرسمي في وضع حد للأعمال العسكرية التي ينفذها "حزب الله"، وهو ما لا تبدو الدولة قادرة عليه.
البقاع: عمليات في العمق ورسائل متعددة
أما في البقاع شرقي البلاد، فحتى الآن، لم تُطبق إسرائيل سياسة الإفراغ السكاني نفسها، رغم صدور أوامر إخلاء لبعض القرى. غير أنّ المقاربة العسكرية في هذه المنطقة لا تقل خطورة.
فالإنزال الأول الذي نفذته قوة إسرائيلية في منطقة النبي شيت، تلاه بعد أقل من 48 ساعة محاولة لتنفيذ إنزال ثانٍ، وهو ما يمثل تطورًا غير مألوف في العمق اللبناني وعلى بعد عشرات الكيلومترات من الحدود.
وتحمل هذه العمليات دلالات عسكرية وسياسية متعددة.
في البعد الأول، رُبطت عملية الإنزال بمحاولة استعادة رفات الطيار الإسرائيلي رون أراد. غير أنّ العملية تتجاوز هذا الهدف المعلن، إذ تعكس في جوهرها بعدًا استخباراتيًا واضحًا، وتشير إلى احتمال امتلاك إسرائيل بنك أهداف داخل المنطقة. كما تشكّل اختبارًا لقدرتها على تنفيذ عمليات في العمق اللبناني، واختبارًا، في الوقت نفسه، لجهوزية "حزب الله" وقدرته على تأمين مناطقه الخلفية.
يوحي تكرار محاولة الإنزال بأنّ إسرائيل تسعى أيضًا إلى توجيه رسالة مباشرة إلى البيئة المدنية والعسكرية للحزب، مفادها أنّ قدرتها العملياتية تمتد إلى عمق مناطق نفوذه. ولا يُستبعد أن تكون لهذه العمليات أهداف أخرى، مثل جمع معلومات استخباراتية إضافية، أو تنفيذ عمليات اغتيال، أو حتى اختطاف شخصيات محددة، على غرار ما جرى في بوداي وبعلبك عام 2006. كما قد تكون القوات الإسرائيلية قد زرعت أجهزة رصد وتجسس خلال العملية الأولى، في نمط عملياتي سبق أن اعتمدته مرارًا في الجنوب اللبناني.
الميدان يكتب مسودة التفاوض
تعمل إسرائيل حاليًا على ثلاث جبهات داخل لبنان: الجنوب، والبقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت.
ولا يبدو أن الهدف يقتصر على تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة، بل يتعداه إلى مضاعفة أوراق القوة التفاوضية في أي تسوية سياسية مقبلة.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية شبه مجرّدة من أدوات القوة السياسية والعسكرية في مواجهة هذا الواقع، رغم إعلان الرئيس اللبناني الاستعداد للذهاب إلى مفاوضات مباشرة.
فالجيش اللبناني، رغم انتشاره جنوب الليطاني، لم يحصل على أوامر بالمواجهة، كما لم يُمنح سابقًا الغطاء السياسي اللازم لتنفيذ عمليات تفتيش واسعة داخل القرى.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى أنّ معظم الصليات الصاروخية التي يطلقها "حزب الله" تنطلق من شمال الليطاني، وهو ما أقرّ به أيضًا الرئيس اللبناني، في إشارة إلى تنفيذ الجيش مهامه جنوب الليطاني في المناطق المفتوحة والأودية، حيث عثر على مخازن أسلحة وعالج الذخائر، فيما بقي الغطاء السياسي غائبًا لتفتيش المنازل والبلدات.
يتّجه المشهد العسكري في لبنان
نحو تثبيت واقع "متعدد الطبقات":
-
إسرائيل تسعى إلى فرض منطقة عازلة أعمق داخل الجنوب، وإفراغها سكانيًا، مع توسيع نطاق عملياتها إلى العمق اللبناني عبر البقاع والضاحية.
-
في المقابل، يواصل "حزب الله" إدارة المواجهة من خلف الليطاني كما جنوبه، مع الحفاظ على قدرته الصاروخية.
-
أما الدولة اللبنانية، فتقف في موقع المراقب أكثر منها طرفًا فاعلًا، ما يترك الساحة مفتوحة أمام معادلة ميدانية ترسمها القوة العسكرية قبل أن تُترجم لاحقًا على طاولة التفاوض.
-
إنها مرحلة يسبق فيها الميدان طاولة التفاوض ويفرض شروطه عليها.