لا توحي مجريات الأحداث المتلاحقة، سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا، إلّا بخلاصة تكاد تبدو قدرًا محتومًا: لبنان مقبل على أيّام شائكة تتكاثف في أفقها غيوم الاحتمالات الصعبة.
ورغم أنّ اللبنانيين، مسؤولين وشعبًا، يدركون طبيعة هذا المنزلق، بقي الكلام عنه همسًا في الأروقة المغلقة، إلى أن جاء الثالث والعشرون من نوفمبر/ تشرين الثاني، يوم اخترقت الصواريخ عمق العاصمة وبلغت الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد ساعات قليلة من تطمينات تحدّثت عن تحييدها.
إنذار بلاسخارت.. قرارٌ إسرائيلي مسبق بالتصعيد
في هذا السياق، يكشف مصدر دبلوماسي رفيع لموقع التلفزيون العربي أنّ اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الراحل عبد الله بو حبيب بالمنسّقة الخاصة للأمم المتحدة جينين هينيس بلاسخارت في الثامن عشر من سبتمبر/ أيلول، عقب عودتها من إسرائيل، حمل إنذارًا واضحًا: بنيامين نتنياهو حسم خياره بالتصعيد، وقد يصل به الأمر إلى الحرب. ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى بدأ العدوان.
ويعيد المصدر ربط ذلك الاجتماع بلقاء آخر جمع بلاسخارت الأسبوع الماضي مع المسؤولين اللبنانيين، حيث حملت رسائلها النبرة نفسها: إصرار إسرائيلي على المضي في المواجهة، ولو تغيّرت أشكال العمليات العسكرية مقارنة بعدوان عام 2024.
اغتيال الطبطبائي ورسائل الضغط المالي
تتعزّز سوداوية المشهد بتصريحات رئيس البرلمان نبيه بري عن خشيته مما تُخبّئه الأيام، إثر اغتيال المسؤول العسكري في حزب الله هيثم الطبطبائي، في ظلّ رسائل سياسية وأمنية ومالية تتقاطر على بيروت، تُلمّح إلى إجراءات أميركية تستهدف التضييق على لبنان ماليًا تحت عنوان "تجفيف تمويل حزب الله".
ورغم ضيق الهامش، لا يزال لبنان يعقد بعض الآمال على مبادرات قد تُسهم في فرملة الانحدار نحو المواجهة، إذ لفت رئيس الحكومة نواف سلام إلى أنّ لبنان يواصل حشد الدعم الدولي للضغط على تل أبيب كي توقف اعتداءاتها وتنسحب من النقاط الخمس.
وتأتي زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى بيروت في هذا الإطار، استمرارًا لمسار بدأه لبنان في نقاشات سابقة مع رئيس الاستخبارات المصرية اللواء حسن رشاد، حيث عُرضت مجموعة أفكار تقوم على:
-
تسليم السلاح جنوب نهر الليطاني، ووضع هذه المنطقة تحت ترتيبات أمنية مشدّدة.
-
إعلان حزب الله، بصورة رسمية وعلنية، وقف أيّ عمليات عسكرية ضد إسرائيل.
-
الشروع في مفاوضات لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من التلال المحتلّة، وتسليم الأسرى.
-
إطلاق مفاوضات لترسيم الحدود البرّية بين لبنان وإسرائيل.
-
إقرار خطة شاملة لنزع السلاح على امتداد الأراضي اللبنانية في مرحلة لاحقة.
موقف لبنان بين مقاربة حزب الله ورؤية الدولة
هذه الأفكار يتعامل معها حزب الله بوصفها مشروع استسلام مكتمل الشروط. وتؤكّد مصادره لموقع التلفزيون العربي أنّه أبلغ المعنيين موقفًا واضحًا برفضها، لأنها لا تنسجم مع روحية اتفاق وقف الأعمال العدائية، وتتعامل مع سلاحه كأنّه المشكلة الوحيدة لا نتيجة لمسار طويل من الاعتداءات والحروب.
وبحسب هذه المصادر، ينتظر الحزب ما إذا كانت الحركة المصرية ستعود بصيغة معدّلة، تتقدّم من مستوى "رزمة أفكار" إلى مبادرة مكتملة المعالم، تعالج فعليًا الفراغ الذي خلّفه الانكفاء الأميركي، وتحاول من خلال صيغة متوازنة، منع انزلاق البلاد إلى الهاوية.
في المقابل، رسم لبنان الرسمي حدود موقفه في خطاب الرئيس جوزيف عون عشية عيد الاستقلال، حين شدّد على أنّ أيّ مسار للحلّ يبدأ بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، ثمّ الانتقال إلى حصر السلاح بيد الدولة على كامل الأراضي اللبنانية بعد توفير المقوّمات الضرورية للجيش.
بهذا المعنى، يرفض لبنان أن يقدّم خطوات أحادية الجانب تحت ضغط الوقت والتهديدات، فيما تدفع الأفكار المصرية باتجاه مبادرة تبدأ من الجانب اللبناني، وتترك التزامات إسرائيل في خانة الوعود المفتوحة. وهو ما يجعل تلك الأفكار، بصيغتها الحالية، أقرب إلى ورقة شروط مسبقة منها إلى مبادرة قابلة للحياة.
مبادرات لإدارة الأزمة أكثر منها لمنع الانفجار
هكذا يقف لبنان اليوم على حافة مكتظّة بالضغوط السياسية والعسكرية والمالية. في الخطاب العلني، يُقال إنّ هناك "فرصة للتفاوض" و"نافذة لاحتواء التصعيد"، لكنّ كثيرًا من المسؤولين في بيروت ينظرون إلى هذه الدعوات بوصفها محاولات ابتزاز، في ظلّ قناعة تترسّخ بأنّ نتنياهو لا يبحث عن تسوية، بل عن استمرار التصعيد تحت سقف يحدّده وحده.
في نظر هؤلاء، فإنّ القرار العسكري في إسرائيل يبدو، وفق المؤشرات المتراكمة، محسومًا لجهة مواصلة الضغط على الساحة اللبنانية، ولا ينتظر إلّا اللحظة السياسية المناسبة داخليًا وخارجيًا، فيما تُستخدم لغة المبادرات والوساطات كغطاء دبلوماسي لمسار ميداني لا يتوقّف.
على مستوى أوسع، تكشف المقارنة بين مسار الميدان ومسار السياسة أنّ لبنان يواجه لحظة مفصلية تتجاوز حدود الاشتباك العسكري التقليدي، إذ تتقاطع على أرضه إرادات متعارضة:
-
فهناك من جهة مساعٍ عربية وغربية متواصلة لمحاصرة الانفجار ومنع تحوّله إلى حرب شاملة، لكنها تفتقر إلى أدوات الضغط الحاسمة على إسرائيل.
-
ومن جهة أخرى، ثمّة قرار إسرائيلي بالمضي في استدامة التوتير ورفع منسوب المخاطر، مع التعامل مع أي مبادرة أو ورقة تفاوضية كفرصة لفرض شروط أحادية لا كالتزام متبادل.
في هذه البيئة، تبدو معظم الوساطات المطروحة، بما فيها المسعى المصري، أقرب إلى محاولة لإدارة الأزمة وتأجيل الانفجار، لا إلى بناء مسار حقيقي للحلّ.
انقسام داخلي يتعمّق تحت وطأة الخنق المالي
داخليًا، يتعمّق التعقيد أكثر. حزب الله يرفض مقترحات يعتبرها "إملاءات استسلامية"، ويصرّ على أنّ أي بحث في سلاحه لا يمكن أن يُفتح فيما العدوان مستمرّ والاحتلال الإسرائيلي متواصل. في المقابل، يطرح لبنان الرسمي مقاربة معاكسة تركّز على الانسحاب ووقف الاعتداءات كشرط مسبق لأي نقاش لاحق حول السلاح ودور الدولة.
وبين هذين الخطّين، يتكدّس ضغطٌ ماليٌّ شديد على البلد، تمارسه واشنطن وأطراف أخرى، عبر تهديدات وإشارات وإجراءات متدرجة تُستخدم كأداة ابتزاز سياسية، في محاولة لدفع لبنان إلى تنازلات لا يملك ترف تحمّل نتائجها على استقراره الداخلي واقتصاده المنهك.
في محصّلة هذا التوازن المختلّ، يغدو السؤال الحقيقي ليس عن طبيعة المبادرات المتداولة أو صياغتها، بل عن غياب شريك إسرائيلي مستعدّ أصلًا للالتزام بأي مسار تفاوضي، وعن واقع تُحدَّد فيه مستويات التصعيد وفق حسابات نتنياهو السياسية والأمنية، لا وفق منطق الردع المتبادل أو مصلحة الاستقرار في المنطقة.
وهكذا يبدو لبنان اليوم عالقًا بين فكّي كماشة: ضغوط دولية تقول إنها تريد احتواء الحرب من دون أن تملك القدرة على فرض قيود فعليّة على إسرائيل، وإرادة إسرائيلية تمضي بثبات في مسار التصعيد، تُحوّل كل نافذة دبلوماسية إلى هامش هشّ يتآكل مع الوقت.