بات لبنان في قلب التحولات الحاصلة في المنطقة، ولم يعد فصل المشهد هنا عن التعقيدات السياسية والأمنية المحيطة به مجديًا. فبقاء لبنان في مرحلة الانتظار القاتل بينما المتغيرات من حوله مستمرة، يضعه في موقع من يكدّس الخسائر ويعجز عن إحصائها.
إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة، المتمثلة بتوغل قوات إسرائيلية إلى وسط بلدة بليدا الجنوبية على الحدود واغتيال أحد موظفي البلدية، تشكل منعطفًا خطيرًا على المستويين السياسي والعسكري. وتتزايد خطورة المشهد بعد موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، إذ أعطى الأمر للجيش اللبناني بالتصدي للاعتداءات الإسرائيلية. وفي هذا الموقف غطاء سياسي واضح وصريح لأي خطوة عسكرية يمكن أن يقدم عليها الجيش اللبناني في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.
مصدر عسكري يكشف: هذا ما قرّره لبنان
وفي هذا الإطار، يقول مصدر عسكري لموقع التلفزيون العربي إن موقف الرئيس عون يمنح الجيش اللبناني حق الرد، تحديدًا على الاعتداءات التي تنفذها المسيّرات ضد السكان والجيش. ويرى أن الموقف يحمل رسالة سياسية أكثر مما هو عسكري، لكنه يأتي مكمّلًا لموقف أبلغه لبنان للجانب الإسرائيلي قبل أسبوعين.
وتوضح المصادر لموقع التلفزيون العربي، أن الجيش اللبناني اتخذ قبل أسبوعين قرارًا وأبلغه للجانب الإسرائيلي عبر اليونيفيل، مفاده أنه لن يبقى مكتوف الأيدي أمام استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، خصوصًا ضد المزارعين الذين يتوجهون إلى أراضيهم المحاذية للشريط الحدودي.
من هنا، تعتبر المصادر أن الموقف اللبناني الرسمي الذي عكسه كلام عون يشكل رسالة واضحة ليس فقط لإسرائيل، وإنما أيضًا للولايات المتحدة التي كثّفت حضورها في لجنة الإشراف على وقف الأعمال الحربية (الميكانيزم) بعد 11 شهرًا من العمل.
وردًا على سؤال عن سبب عدم تلبية قوات "اليونيفيل" نداءات الاستغاثة عقب دخول القوات الإسرائيلية إلى بليدا، تلفت المصادر إلى أن اليونيفيل تعمل وفق آلية تُعرف بـ(Standing Operating Procedure – SOP)، أي إنها لا تتحرك إلا بعد تقييم أمني معيّن يسمح لقواتها بتنفيذ أي مهمة مهما كانت بسيطة، وهو ما يبرر تأخرها في الوصول إلى محيط بلدية بليدا.
تحولات أمنية وسياسية.. ماذا عن دور الميكانيزم؟
حادثة بليدا، وإن شكلت تحولًا في مسار التصعيد الإسرائيلي وأدخلت لبنان في مرحلة جديدة من المواجهة مع إسرائيل بما لها من انعكاسات، ليست التحول الوحيد في المشهد الأمني والسياسي؛ فهي تترافق مع التحولات التي تشهدها اجتماعات لجنة مراقبة الأعمال العدائية.
وقد تكون الحادثة رسالة للجنة أيضًا؛ فبيان السفارة الأميركية أشاد بدور الجيش اللبناني. وهنا تقول المصادر العسكرية لموقع التلفزيون العربي إن موقف الميكانيزم جيد جدًا تجاه الجيش وما يقوم به، وكذلك موقف نائبة المبعوث الخاص للشرق الأوسط مورغان أورتاغوس تجاه المؤسسة العسكرية، حيث حظي الجيش اللبناني بدعم مباشر لعمله واستكمال تطبيق خطته.
وتلفت المصادر إلى أن أورتاغوس، التي ستواصل حضور اجتماعات اللجنة، استبدلت لقاءاتها بالسياسيين ـ التي لم تُعطِ نتائج سوى على مستوى الخطابات والوعود ـ بالانتقال إلى مرحلة التطبيق عبر حصر مهمتها في بيروت باجتماعات اللجنة التي اعتبرتها أكثر فاعلية، وإن قامت بجولة شكلية على المسؤولين.
من هنا، فإنّ اجتماع اللجنة الثاني عشر في رأس الناقورة، وإن بقي في إطار التمثيل العسكري، يحوّلها بغطاء سياسي لبناني ضمني، إلى لجنة مفاوضات. وتشير مصادر مطلعة على أجواء لقاءات أورتاغوس مع كلّ من رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان إلى أن الموقف الرسمي هو أن أي مفاوضات يجب أن تكون في إطار الميكانيزم، خصوصًا في ظل وجود اتفاق وافق عليه طرفا النزاع، وأي إطار آخر يلغي اتفاق وقف الأعمال العدائية.
موقف "حزب الله" من آلية التفاوض
هذا التوجّه ليس بعيدًا عن موقف حزب الله الذي رفض سابقًا استبدال الاتفاق بورقة توم براك، إذ يعتبر أن أي اتفاق آخر لن يكون في مصلحة لبنان.
وفي هذا الإطار تقول مصادر سياسية محسوبة على حزب الله لموقع التلفزيون العربي إن الحزب يعتبر آلية التفاوض متوافرة اليوم ضمن عمل لجنة الميكانيزم، وقوامها ثلاث نقاط تشكل مدخلًا لأي بحث في ملفات أخرى، وهي: وقف الاعتداءات الإسرائيلية والاغتيالات، والانسحاب من النقاط الخمس المحتلة، وإعادة الأسرى.
وفيما تعتبر المصادر أن تطبيق هذه النقاط من قبل إسرائيل يفتح لاحقًا الباب للحديث في أطر أخرى، تخلص إلى أن توسيع عمل الميكانيزم اليوم لا لزوم له؛ فالانتقال إلى لجنة أوسع سيقود حتمًا إلى توسيع بنود الاتفاق، وهو مرفوض قبل تنفيذ البنود المتفق عليها سابقًا.
من يقدّم التنازلات؟
وعليه، فإن باب التفاوض غير مغلق، بل توضع له في لبنان أطر محددة. فإذا كانت إسرائيل تدفع اليوم عسكريًا وسياسيًا باتجاه اتفاق أمني مع لبنان يشبه اتفاق ترسيم الحدود البحرية قبل ثلاثة أعوام، فإن الوصول إلى هذا الاتفاق يقتضي تنازلات إسرائيلية في الميدان. غير أن تل أبيب ترفض تقديم أي تنازلات، وتذهب بدلًا من ذلك إلى تصعيد أكبر لتكديس أوراق ضغط تدخل بها إلى طاولة المفاوضات.
وبهذه المقاربة، تُحوِّل إسرائيل النقاش إلى سؤال حول من سيقدّم ما تعتبره "تنازلات"، فيما المطلوب في الأصل هو حقوقٌ لبنانية مقرّرة ضمن اتفاق وقف الأعمال العدائية. وبذلك يكسب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سردية أنه لم يخسر في المفاوضات كما لم يخسر في الميدان، كما يصوّر للمجتمع الإسرائيلي.