لماذا لا يثق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في السياسيين؟
منذ انتخابه رئيسًا للجزائر، بدا عبد المجيد تبون متحفّظًا تجاه الأحزاب والسياسيين بشكل عام، مفضلًا إسناد الأولوية للكفاءات التقنية والإدارية على حساب التمثيل الحزبي. يطرح هذا الموقف تساؤلات سياسية جوهرية: هل هو خيار مبرَّر من الناحية العملية؟ وهل يفسّر بقاء الجزائر، في عهدته الثانية، عالقة في مرحلة انتقالية لم تُحسم بعد؟
في آخر إطلالة إعلامية له، أعلن الرئيس تبون صراحة أنّ الحوار السياسي المقرر مع نهاية السنة الجارية أصبح غير مؤكد، بسبب غياب تصور واضح بشأن كيفية إدارته، وقال بالحرف الواحد: "الكرة ليست في مرمى الأحزاب... لكن في كيفية تنظيم هذا الحوار". وأكد أنّ الأولوية في الوقت الراهن هي تحصين البلاد أمنيًا واقتصاديًا. بهذا الخطاب، يضع تبون الأحزاب خارج الميدان، محيلًا القضية إلى آلية أو صيغة تنظيمية، لا إلى دور سياسي مركزي للقوى الحزبية.
ملامح المشهد السياسي ما بعد حراك 22 فبراير
مع اقتراب الذكرى السابعة لحراك 22 فبراير/ شباط 2019، الذي أطاح بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة وحاشيته بعد انتفاضة شعبية سلمية استمرت أسابيع، تعود الأسئلة الكبرى إلى الواجهة حول حصيلة المرحلة التي أعقبت ذلك الزلزال السياسي. فقد رافق الحراك، كما كل حركة شعبية واسعة، نقاشات متعددة التصورات وتطلعات عالية لمستقبل الجزائر السياسي والديمقراطي، خاصة في ما يتعلق بمسائل الحكم الرشيد، الممارسة الديمقراطية، الحريات العامة، فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
جاء الرئيس تبون إلى الحكم عقب انتخابات رئاسية جرت في ديسمبر/ كانون الأول 2019، بينما كانت مسيرات الحراك لا تزال مستمرة في الشوارع. وقد عكست تلك الانتخابات انقسامًا حادًا بين من رأى فيها مخرجًا دستوريًا للأزمة، وبين من اعتبرها محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم بواجهة جديدة.
بدأ تبون عهدته بإصلاح دستوري أُقرّ في استفتاء نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، غير أنّه لم يحدث قطيعة حقيقية مع طبيعة النظام الرئاسي القائم، إذ أبقى على صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، مكتفيًا بإعادة تحديد العهدات الرئاسية بعهدتين، وإضافة تعديلات تخص البرلمان والهيئات الدستورية. أما النصوص المتعلقة بحرية التظاهر والعمل الجمعوي وتأسيس الأحزاب، فبقيت مقيدة بقوانين تنظيمية مشددة، ما جعلها شبه معطلة.
وكما شهدت رئاسيات 2019 نسبة مشاركة ضعيفة، تكررت الظاهرة في تشريعيات 2021، التي قاطعتها بعض الأحزاب التقليدية مثل جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال، وللمرة الأولى منذ اعتماد التعددية السياسية مطلع التسعينيات. وأسفرت النتائج عن برلمان تهيمن عليه أحزاب الموالاة للسلطة (جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي، جبهة المستقبل، حركة البناء، والمستقلون)، في مقابل معارضة محدودة تمثلت أساسًا في حركة مجتمع السلم.
ورغم هذا الثقل العددي، لم يُشرك تبون هذه القوى الموالية في صياغة سياساته أو تشكيل حكوماته، بل اعتمد على رؤساء حكومات ووزراء تكنوقراط بعيدين عن الانتماءات الحزبية. وقد شكّل ذلك سابقة في تاريخ الجزائر السياسي، إذ اعتادت السلطة سابقًا الميل إلى تقاسم المواقع مع أحزاب الائتلاف الحاكم.
الخمول السياسي للأحزاب
في مقابل هذا "التحفّظ الرئاسي" تجاه الأحزاب، تعاني الساحة الحزبية من حالة خمول غير مسبوقة، لم تشهدها الجزائر حتى خلال الأزمة الأمنية في تسعينيات القرن الماضي. فقد تراجع الأداء السياسي إلى أدنى مستوياته، وغابت المبادرات والبدائل عن المشهد، حتى في ظل سياقات إقليمية ودولية حساسة. وغالبًا ما تقتصر مواقف الأحزاب على بيانات مقتضبة، سواء كانت مساندة للسلطة أو منتقدة لها.
وتشتكي بعض القوى السياسية من التضييق الإعلامي الرسمي والخاص، غير أنّ اللافت أيضًا هو عزوف السياسيين أنفسهم عن استعمال الفضاءات البديلة مثل وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تكاد حسابات معظم قادة الأحزاب تخلو من التحليلات أو المواقف المرتبطة بالشأن الوطني.
تهميش متزايد للحوار الوطني
أمام هذا المشهد السياسي الراكد، أعلن الرئيس تبون تأجيل "الحوار الوطني" الذي كان قد تعهد به عند أدائه اليمين الدستورية بعد فوزه بولاية ثانية، وكان مقررًا عقده مع نهاية السنة الجارية. وقد عمّق هذا القرار من تهميش الفاعلين السياسيين، إذ اقتصر الرئيس على لقاءات ثنائية متفرقة مع بعض رؤساء الأحزاب، غالبًا بطلب منهم، وهي لقاءات ذات طابع بروتوكولي لا تفرز أفكارًا جديدة أو مبادرات سياسية ملموسة.
كما أعلن تبون عن تأجيل الخوض في عدد من القوانين المنتظرة، مثل قانون البلدية والتقسيم الإداري، معتبرًا أنّ الأولوية الراهنة هي "تحصين البلاد أمنيًا واقتصاديًا". وبهذا الطرح، تضع السلطة الأحزاب السياسية على الهامش، وتتعامل معها كأطراف ثانوية، بينما تُبقي القرار السياسي الفعلي محصورًا في دائرة ضيقة داخل مؤسسة الرئاسة والإدارة التكنوقراطية.
بين الركود والخيارات المقبلة
تعيش الجزائر اليوم حالة من "الركود السياسي" في مرحلة ما بعد الحراك الشعبي. قد يُعزى هذا الوضع، في جانب منه، إلى شعور عام بالإحباط أصاب المواطنين بعد أن جاءت حصيلة التغيير دون مستوى تطلعاتهم. لكن ما كان في البداية مفهومًا وطبيعيًا عقب تلك التجربة، يبدو اليوم وكأنه يتجه نحو الاستمرار كحالة مزمنة، تتجسد في ضعف الأداء الحزبي وغياب النقاش الوطني الفعال، مقابل تركيز السلطة على أولويات الاستقرار الاقتصادي والأمني.
ومع اقتراب ثاني انتخابات تشريعية بعد الحراك (2026)، يجد الحقل الحزبي نفسه أمام محك حاسم: إما إعادة إحياء جدوى العمل السياسي عبر برامج جادة ونقاشات مسؤولة، أو الاستمرار في حالة السبات التي تُفاقم عزوف المواطنين عن المشاركة في الانتخابات والانخراط في الشأن العام، وتُضعف مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد.