عبّر البابا ليون الرابع عشر، خلال رحلته من بيروت إلى روما، عن رغبته في زيارة الجزائر عام 2026، في إطار جولة إفريقية يُرجَّح أن تكون محطته الدولية القادمة.
ومنذ بداية حبريته ظلّ البابا يلمّح إلى رغبته في زيارة شمال إفريقيا، ولا سيّما الجزائر، غير أنّه هذه المرة ينتقل من التلميح إلى التصريح، فيُعلن بوضوح عزمه على زيارة الأماكن المرتبطة بحياة القديس أوغسطين تحديدًا.
هذا الإصرار يشير إلى أنّ البابا ينتظر دعوة رسمية من الجزائر، ويعكس قناعته بأنّ الزيارة ستكون ذات أثر رمزي وإنساني وروحي غير مسبوق، بوصفه ينتمي روحيًا إلى الرهبنة الأوغسطينية.
بازيليكا القديس أوغسطين.. ذاكرة الجزائر المتقاطعة
تتربّع بازيليكا القديس أوغسطين على مرتفع يطل على بحر عنابة (شرقي العاصمة الجزائرية)، كشاهد حجري يحفظ اسم أشهر أبناء شمال إفريقيا.
غير أنّ المفارقة الكبرى أنّ هذا المَعلَم، الذي بُني خلال فترة الاستعمار الفرنسي بين عامي 1881م و1900م، رغم حضوره الطاغي، يكاد يكون الرابط الوحيد الذي يجمع عامة الجزائريين باسم أوغسطين. فخارج قبة الكنيسة وواجهتها المهيبة وساحتها التي يتوسطها تمثال أوغسطين، يتلاشى حضوره في الوعي العام، لينحصر في نطاق ضيّق داخل الجامعات، تحديدًا في دائرة أهل الاختصاص.
في الأوساط العلمية على وجه الخصوص، ظلّ أوغسطين موضوعًا لجدل معقّد لدى الأكاديميين الجزائريين؛ فهناك من يرى فيه مفخرة لإفريقيا، باعتباره المؤسس الأكبر للفكر المسيحي الكاثوليكي وركنًا من أركان الفلسفة الأخلاقية في أوروبا، في مقابل من يعتبره خصمًا تنكّر لإفريقيته وطارد أبناء بلده من الدوناتيين وحاصر الدوناتية التي تُعد، حسب هذا الاتجاه، حركة دينية وثورة سياسية انبثقت من صميم شمال إفريقيا.
هذا التناقض بين أوغسطين المفكر العالمي وأوغسطين الفاعل في صراعات محلية جعل صورته الأكاديمية متشظّية تتأرجح بين النقد والتبجيل، فيما ظل حضوره الشعبي في الجزائر لا يتعدّى حدود الكنيسة التي تحمل اسمه؛ فالناس يتجوّلون حولها، يلتقطون الصور، ويمرّون على تاريخ طويل دون أن يعرفوا أن صاحب الاسم هو أحد أكثر مفكري العالم تأثيرًا في التاريخ المسيحي الكاثوليكي.
استمرّ هذا الغياب النسبي عن الذاكرة الجماعية إلى أن عاد اسم أوغسطين إلى الواجهة في مطلع الألفية الجديدة، عندما بادر الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة إلى إعادة هذه الشخصية إلى الساحة الثقافية الجزائرية، من خلال تنظيم ملتقى دولي مرموق للفكر الأوغسطيني شارك فيه نخبة من الباحثين من ضفتي المتوسط. وقدّم المشاركون قراءة جديدة لأوغسطين تقطع مع الصورة الأوروبية الخالصة التي احتكرت إرثه لقرون، وتعيده، فكريًا وثقافيًا، إلى فضائه الإفريقي.
كان ذلك الحدث محاولة لإعادة إدراج أوغسطين في سردية الجزائر الفكرية، لا بصفته لاهوتيًا غربيًا فحسب، بل باعتباره مفكرًا تشكّل وعيه بين لغات وثقافات متقاطعة على أرض الجزائر، وأَسَّس منها مشروعًا فكريًا عالميًا، جعل بابا الفاتيكان اليوم يعلن رجاءه ورغبته في اقتفاء آثاره في الجزائر.
الجزائر والفاتيكان وغصن زيتون القديس أوغسطين
رغم العلاقات الهادئة بين الجزائر والفاتيكان على مدى عقود، لم يسبق لأي بابا أن وطئت قدماه الأرض الجزائرية. حتى البابا يوحنا بولس الثاني، المعروف بنشاطه العالمي الواسع، لم يزر الجزائر بسبب ظروف العشرية السوداء خلال التسعينيات.
وظلّت اللقاءات بين المسؤولين الجزائريين والفاتيكان تتمّ في روما، كما حدث في 24 يوليو/ تموز 2025، عندما استقبل ليون الرابع عشر الرئيس عبد المجيد تبون في القصر الرسولي، وقدّم له غصنًا من شجرة زيتون يُقال إنّ أوغسطين غرسها في سوق أهراس (طاغاست سابقًا)، مسقط رأسه.
تنطوي هذه الخطوة على رمزية عميقة ودلالات خاصة، وقد صدرت عن بلد تُرجَّح أن نسبة المسيحيين فيه تقلّ بكثير عن 1%. غير أنّ القاسم المشترك بين الجانبين يتجسّد في شخصية القديس أوغسطين الذي وُلد في الجزائر.
فبالنسبة إلى البابا، لا تعني زيارة الجزائر مجرّد استكشاف مواقع أثرية، بل تمثّل عودة إلى جذور الكنيسة اللاتينية نفسها.
أوغسطين في سطور
وُلد أوغسطين في تاغاست (سوق أهراس حاليًا) عام 354م، ويُعدّ من أبرز الشخصيات الرومانية الإفريقية في عصره. رُسم كاهنًا عام 391م، ثم أسقفًا على هيبون (عنابة) سنة 396م، قبل أن يغدو لاحقًا أحد أعظم اللاهوتيين في تاريخ المسيحية.
يذهب عدد من الباحثين إلى أنّ لأوغسطين أصولًا محلية، على غرار غالبية الرومانيين الأفارقة في زمانه؛ فاسم والده "باتريكس"، واسم والدته "مونيكا" يُعدّ تصغيرًا لاسم إلهة نوميدية تُدعى "مونا"، وهي من أبرز رموز التراث المسيحي في شمال إفريقيا، وقد كان لها دور محوري في حياة ابنها، وكرّمها التقليد الكنسي بوصفها قديسة.
أما اسم العائلة "أوريليوس" فيُحتمل أن يدل على حصول أسلافه على المواطنة الرومانية في إطار مرسوم الإمبراطور كاراكلا سنة 212م، الذي شمل سكان المقاطعات.
المسارات الأوغسطينية التي يريد البابا اقتفاء أثرها
لم تقتصر مهام القديس أوغسطين على كرسي أسقفيته في هيبون، بل امتدّت إلى شبكة واسعة من المدن التي تشكّل اليوم ما يُعرف بـ"المسارات الأوغسطينية"، الممتدّة على نحو 1500 كيلومتر في شرق ووسط الجزائر. وتضمّ هذه المسارات مواقع أثرية بارزة من بازيليكات ومدرّجات وكنائس تشهد على تنقّلات أوغسطين ونشاطه الديني والفكري.
تبدأ الرحلة من تاغاست (سوق أهراس)، مسقط رأسه وموطن أمه القديسة مونيكا، حيث أسّس جماعة شبه رهبانية، ثم تنتقل إلى ماداور (مداوروش)، المركز التعليمي المهم وموطن الفيلسوف أبوليوس، قبل أن تمرّ بخميصة، وتاورة، وقالمة، وعنابة، وميلة، هذه الأخيرة التي كانت أسقفية مؤثّرة في القرن الرابع.
وتبلغ المسارات ذروتها في هيبون (عنابة) التي أصبحت كرسي أوغسطين، وفيها ألّف أبرز كتبه مثل "الاعترافات" و"مدينة الله". وتبقى هذه المواقع اليوم شاهدًا حيًا على مرحلة فكرية وروحية أساسية في تاريخ شمال إفريقيا.
رهان جزائري على إرث القديس أوغسطين
في أبريل/ نيسان 2025، أدرجت الجزائر "المسارات الأوغسطينية" ضمن قائمتها التمهيدية لدى اليونسكو، وهي شبكة من المواقع تشمل تاغاست، وماداور، وخميصة، وتيديس، وعنابة وغيرها، إذ تشكّل هذه المواقع أهم فضاء جغرافي عاش فيه أوغسطين وكتب فيه أبرز أعماله.
في هذا السياق، يمكن أن تشكّل زيارة البابا إلى الجزائر دفعة قوية لهذا الملف أمام لجنة التراث العالمي، من خلال إضفاء شرعية روحية عالمية عليه، وإبراز القيمة الإنسانية والفلسفية للفكر الأوغسطيني، وجذب اهتمام الباحثين والسياح على حدّ سواء.
كما تتيح هذه الزيارة للجزائر أن تقدّم نفسها ليس فقط بوصفها صاحبة هذا الإرث، بل بوصفها طرفًا فاعلًا في إعادة قراءته وتقديمه للعالم من زاوية إفريقية ومتوسطية، لا من زاوية أوروبية خالصة كما كان الحال طوال قرون.
إنّ إصرار البابا ليون الرابع عشر على زيارة الجزائر لا يختزل في مجرد رغبة شخصية في السير على خطى معلّمه الأول، بل يحمل أيضًا اعترافًا ضمنيًا بدور الجزائر مركزًا حضاريًا وروحيًا يشكّل أحد جذور المسيحية الأولى وأحد ركائز الفكر الفلسفي في العالم.
وإذا كُتِب لهذه الزيارة أن تتحقق، فإنها ستسجَّل كلحظة فارقة تُعيد الجزائر إلى الواجهة فضاءً للحوار بين الحضارات، وموطنًا لرجال الفكر والدين، انطلاقًا من كون أوغسطين نفسه رمزًا وجسرًا للتلاقي بين الأديان. وبهذا المعنى، لا تعود الجزائر مجرد مسرح لزيارة بابوية عابرة، بل فضاءً طبيعيًا لتجسيد ما يدعو إليه البابا ليون الرابع عشر من "ثقافة الحوار والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين".