حول مائدة ليلة تشِلّة (أو يلدا بالسريانية)، اجتمعت أسرة سعيد، كغيرها من الأسر الإيرانية، في ليلة الحادي والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول. لم يُفوّت الإيرانيون ليلةً من هذه الليالي طوال قرون، إرثٌ توارثوه جيلًا بعد جيل منذ ما قبل الزرادشتية، وأمسكوا بعاداتهم وتقاليدهم رغم اعتناقهم الإسلام لاحقًا.
ليلة تُعلن بدء الشتاء، ويطول ظلامها ليختبر صبر البيوت، فيتحدّاها الإيرانيون بالاجتماع والسهر حول مائدة تضم البطيخ، فاكهة الصيف الأشهر، والرمان والخرما والمكسّرات والفواكه المجففة والتمر، إضافةً إلى الشموع وديوان حافظ الشيرازي.
ورغم كثرة الرموز والدلالات في الثقافة الإيرانية، إلا أن أوضاع هذا الشتاء باتت واضحة جدًا؛ فالأمطار القليلة في العاصمة طهران لم تُبدّد القلق من الجفاف، وتحذيرات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حول الماء والكهرباء لا تزال مترددة، بل تتجلى في بعض المناطق بانقطاعات متكررة أحيانًا.
ما بعد الحرب: الاقتصاد هو العنوان
في منزل جد سعيد، لا يبقى الشاي ساخنًا فوق السماور وحيدًا، بل يدور بين الأحاديث حول الحياة اليومية، الجفاف، التلوث، إغلاق المدارس، وأخبار السياسة أيضًا. بعد ستة أشهر على الحرب، لم تعد الأخبار صاخبة كما في البداية؛ صار الحديث الاقتصادي هو الطاغي: الأسعار، الدولار، اللحم، الأرز، الذهب.
بالنسبة للإيرانيين، ما بعد حرب الاثني عشر يومًا مع إسرائيل ليس كما قبلها، ليس أمنيًا وعسكريًا فقط، بل أيضًا على صعيد التراجع الاقتصادي.
بحسب إحصاءات متعددة، أبرزها مركز الإحصاء الإيراني، سجل التضخّم الشهر الماضي نحو 50%، متجاوزًا التضخّم التراكمي منذ 2020 الذي بلغ 500%. هذا الارتفاع ملموس في الأسعار: الأرز ارتفع ثلاثة أضعاف، الفواكه تضاعفت، واللحم شبه غائب عن بعض الموائد، فيما وصل خط الفقر إلى 55 مليون تومان مقابل حد أدنى للأجور يبلغ 15 مليونًا فقط.
اتفاق على صعوبة الأوضاع الاقتصادية
قبل أسابيع، قال مجيد مير لطيفي، أستاذ جامعة تربيت مدرس: "إذا استمرت الأسعار في الارتفاع، فبعد أشهر لن يتمكّن كثير من الإيرانيين من تناول اللحم، وبعضهم حتى لن يتمكّن - إذا استمر الوضع بهذا الشكل - من شراء الألبان والخبز".
ويتفق الجميع على ذلك، بما فيهم المتنافسون السياسيون. يقول ياسر جبرائيلي، الأمين العام لحزب الحضارة الحديثة الإسلامية: "كل شيء أصبح بالمال وبأسعار مرتفعة، من الغذاء إلى العلاج والتعليم. للأسف، بات لدينا طبقة أوليغارشية رأسمالية، بينما وقف الشعب خلف القيادة أثناء الحرب، وعلى القيادة دعم الشعب الآن".
ويقول حسين مرعشي، الأمين العام لحزب كوادر البناء: "الاقتصاد الإيراني منذ 20 عامًا أسير القضية النووية، ويجب التعامل بجدّية مع قضية توفير السلع الأساسية". لذا اضطرت الحكومة، وللحيلولة دون وقوع مجاعة، إلى توفيرها بدولار تصل قيمته إلى 125 ألف تومان.
وبين تيارات سياسية مختلفة متفقة تبدو الحكومة أكثر من يدرك الأوضاع ربما؛ إذ قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مؤخرًا: "لا يمكننا أن نحكم والشعب جائع".
أسباب التراجع الاقتصادي
ليست الأسباب خافيةً فيما آلت إليه أوضاع الاقتصاد الإيراني. يقول ولي الله سيف، حاكم مصرف إيران المركزي الأسبق:
"السبب الرئيسي لانهيار العملة الإيرانية هو التضخّم الناتج عن ارتفاع السيولة النقدية نتيجة سياسات الحكومة، عجز الميزانية، اختلال التوازن المصرفي، وصناديق المتقاعدين. كذلك، فرض سعر حكومي للعملات الأجنبية يخلق فسادًا على حساب المجتمع".
بدوره، يقول ممثّل إيران الأسبق في البنك الدولي، فرهاد نيلي:
"التضخّم الاقتصادي يُعالج قبل وقوعه، لا بعده. يجب أن تكون هناك سلامة مالية؛ أي معرفة أين يتمّ صرف الأموال وكم من الأموال يتم ضخّها في الاقتصاد، فكلّما زادت الأموال تراجعت القدرة الشرائية".
وفيما يرجّح صندوق النقد الدولي، وكذلك مركز الإحصاء الإيراني، تسجيل الاقتصاد الإيراني نموًا سلبيًا هذا العام، وتقدّر سيناريوهات مختلفة استمرار التضخّم بأرقام مرتفعة تتراوح بين 45 و55%، فإنّ البعض يحذّر من سيناريوهاتٍ أسوأ.
ويقول الأكاديمي والخبير المالي ومؤسّس أول بنك للقطاع الخاص في إيران، حسين عبده تبريزي:
"إذا استمرّ ارتفاع التضخّم بهذا الشكل وسجّل 60% هذا العام، ومع احتمال عدم بقاء الميزانية المطروحة حاليًا من قبل الحكومة على البرلمان ضمن الإطار المحدّد لها، وسجّل العام الإيراني المقبل (الذي يبدأ في 21 مارس/ آذار 2026) أيضاً تضخّمًا بنسبة 60%، فإن الاقتصاد الإيراني سيكون على موعد مع قفزات قد تصل إلى 3000% بسبب فقدان الثقة بالعملة الإيرانية وربطها بالكامل بالدولار".
البحث عن حلول
وإذا كانت الأرقام تسجّل تضخّمًا يصل إلى 35% عام 2013 قبل الاتفاق النووي، وأقلّ من 10% بعده، فيما تسجّل اليوم أكثر من 50%، فإنّ البعض يطالب بحلولٍ قاسية.
يقول بهمن عشقي، معاون الشؤون المالية في غرفة التجارة الإيرانية:
"يجب أن نقوم بأرجنتنة الاقتصاد الإيراني؛ حيث قام خافيير ميلي بإصلاحات اقتصادية قاسية، حيث ألغى 400 قانون، وتمّ التهديد بتعطيل البنك المركزي. للأسف، لا تعرف الحكومة أن دور البنك المركزي هو الحفاظ على أموالنا، لا أن تكون خزانة لها".
ويشير الرئيس بزشكيان إلى أن الأوضاع الحالية هي إرث سابق وليس من صنع حكومته، داعيًا الجميع للمشاركة في الحلول التي بدأت الحكومة، لكن نتائجها ستستغرق وقتًا.
وسط ذلك، تتصاعد الاجتماعات بين مسؤولي النظام الإيراني، ويزداد التوتر بين السلطات. يقول رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف:
"البرلمان سيبحث معدل التضخّم وارتفاع سعر الصرف، وإذا لم نصل إلى نتائج، سيُطلب تعديل وزاري، وإذا لم يتم، ستبدأ إجراءات عزل الوزراء".
ورغم كل ذلك، وفي ليلة تشِلّة، يجتمع الإيرانيون، تلتقي الأزمنة على مائدة واحدة، ويحتفل الجميع. هو بحث عن الفرح، وربما انعكاس لما يعرف بنظرية "تأثير أحمر الشفاه" (Lipstick Effect)، التي تحدّث عنها ليونارد لودر، رئيس مجلس إدارة شركة Estée Lauder لمستحضرات التجميل، بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، حين لاحظ أنّ مبيعات أحمر الشفاه في شركته ارتفعت بنحو 11%. ما يُظهر علاقة "تناسبٍ عكسيّ" بين الوضع الاقتصادي ومبيعات أحمر الشفاه، إذ يميل المستهلكون، في مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، حيث لا يملكون القدرة على تسديد فواتير كبيرة، إلى الإنفاق على الأشياء الفاخرة الصغيرة، وتحديداً تلك التي تدعو إلى التفاؤل.
مفاوضات مع الغد
تتوالى أحاديث سعيد مع أفراد أسرته، خاصة من أبناء جيله جيل زد، وكذلك جيلي واي وإكس وما قبلهما، متطرّقة إلى القدرات السياحية الكبيرة التي تمتلكها إيران، مع انتشار فيديو جزيرة هرمز مؤخرًا إثر الأمطار الغزيرة التي هطلت فيها. كما يشمل النقاش الحفلات الموسيقية وأوضاع الحجاب، التي لا تزال تخضع لشد وجذب كبيرين، خاصة بعد ماراتون جزيرة كيش الذي أثار جدلًا استدعى تدخل السلطة القضائية الإيرانية.
كما تتناول الأحاديث السفر خارج البلاد، مع إحصاءات جديدة مثيرة بهذا الصدد، وسوق العمل، والوعود بفك الحجب عن الإنترنت وتخفيف القيود على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة مع الإجراءات التي اتخذتها بعض الجامعات وأثارت النقاش. ويصل النقاش حتى إلى سعر البنزين الذي رفعته الحكومة مؤخرًا، وحتى احتمالات الهرب في ظل التصريحات الأميركية - الإسرائيلية الأخيرة.