منذ أن أعلنت كييف في 13 سبتمبر/ أيلول 2022 إسقاط أول مسيّرة إيرانية الصنع قالت إن روسيا استخدمتها في الحرب، خرج الاسم من اللغة العسكرية الضيقة إلى الحياة اليومية للأوكرانيين، وبات يتردد في نشرات الأخبار وأحاديث الناس كما لو أنه مفردة ثابتة من مفردات هذه الحرب نفسها.
ومع اتساع استخدام روسيا للمسيّرات الإيرانية لاحقًا، ترسخ الاسم أكثر في الوعي العام، إلى درجة بدا معها، في كثير من السياقات، أقرب إلى أن يكون مرادفًا شبه يومي لكلمة "درون" في المخيال الأوكراني.
لم يكن هذا التحول لغويًا فقط، بل بصريًا أيضًا.
في كييف، وفي حي بيتشيرسكي تحديدًا، كان مبنى السفارة الإيرانية قبل الحرب جزءًا من مشهد دبلوماسي اعتيادي، بحركته اليومية المعهودة وما يحيط به من حضور طبيعي لا يلفت النظر. لكن المشهد تبدل تدريجيًا، كما لو أن السكون الذي أصاب المبنى يلخص وحده مسار العلاقة كلها.
وما بدا في البداية تغيرًا في الصورة، صار لاحقًا سياسة رسمية، عندما أعلنت أوكرانيا في 23 سبتمبر 2022 خفض مستوى علاقاتها مع طهران، وسحب اعتماد السفير الإيراني، وتقليص عدد العاملين في السفارة، على خلفية اتهام إيران بتزويد روسيا بالمسيّرات.
اسم إيران يعود إلى الواجهة في أوكرانيا
اليوم، يعود اسم إيران إلى الواجهة في أوكرانيا من زاوية جديدة، مع الحرب الأميركية الإسرائيلية الجارية عليها. فالدولة التي أمضت سنوات وهي تتصدى لمسيّرات "شاهد" في سمائها، باتت تعرض خبرتها وتقنياتها، بما في ذلك المسيّرات الاعتراضية، للمساعدة في مواجهة الهجمات الإيرانية في الشرق الأوسط.
يأتي ذلك في وقت يتحدث فولوديمير زيلينسكي عن اهتمام أميركي وشرق أوسطي، من بينه اهتمام قطري، بالحلول الأوكرانية منخفضة الكلفة لاعتراض هذا النوع من الطائرات، كما شدد على أن روسيا استخدمت أكثر من 57 ألف مسيّرة إيرانية التصميم ضد بلاده منذ بدء الحرب الشاملة.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم:
كيف وصلت العلاقة بين أوكرانيا وإيران إلى هذا المستوى من العداء؟وكيف انتقلت من سفارات وتبادل تجاري وتصورات للتعاون في الزراعة والطاقة والنقل، إلى خفض للعلاقات، وعقوبات ممتدة، وتصعيد سياسي وقانوني بلغ حد تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية؟
علاقة بدأت بالمصالح لا بالخصومة
اعترفت إيران باستقلال أوكرانيا في ديسمبر/ كانون الأول 1991، وأُقيمت العلاقات الدبلوماسية رسميًا في يناير/ كانون الثاني 1992. ولم تُبنَ العلاقة منذ البداية على تقارب أيديولوجي أو تحالف سياسي عميق، بل على منطق أكثر براغماتية من خلال فتح سفارات وتطوير قنوات الاتصال وبناء أرضية قانونية وتنظيمية للتعاون الثنائي في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي.
وتوضح قراءات أوكرانية متخصصة لمسار العلاقة أن البلدين نظرا إلى بعضهما لسنوات بوصفهما شريكين محتملين في إطار المصالح، لا الخصومة.
الصورة للسفارة الإيرانية في كييف - غيتي
اللافت أن أوكرانيا لم تتعامل مع إيران باعتبارها دولة "منبوذة" بالكامل حتى في الفترات التي كانت فيها طهران تحت وطأة العقوبات الغربية المرتبطة بملفها النووي.
فبعد يوم التنفيذ في 16 يناير 2016، رُفعت أو جُمّدت غالبية العقوبات الاقتصادية والمالية الأوروبية والأممية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بعد تحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من تنفيذ طهران التزاماتها في إطار الاتفاق النووي.
لغة الأرقام.. ماذا كان في العلاقة قبل الانهيار؟
لم يكن البعد الاقتصادي في العلاقة بين البلدين هامشيًا. فبحسب بيانات وزارة الخارجية الأوكرانية استنادًا إلى الجمارك، بلغ حجم التبادل التجاري بين أوكرانيا وإيران في عام 2022 نحو 761.13 مليون دولار، بانخفاض نسبته 52.1% مقارنة بعام 2021، ما يعني أن حجم التبادل في السنة السابقة كان يقارب 1.59 مليار دولار. وهذه الأرقام تكشف أن ما انهار لاحقًا لم يكن مجرد علاقة رمزية أو بروتوكولية، بل علاقة لها وزن اقتصادي فعلي.
أما من حيث طبيعة هذا التبادل، فكانت الصادرات الأوكرانية إلى إيران ترتكز بدرجة كبيرة على السلع الزراعية والغذائية، وفي مقدمتها الحبوب والزيوت والدهون النباتية.
وتظهر البيانات المنشورة عبر البعثة الأوكرانية في إيران أن الحبوب شكّلت في عام 2022 نحو 161.73 مليون دولار من الصادرات الأوكرانية إلى إيران، فيما بلغت الزيوت والدهون النباتية نحو 27.43 مليون دولار. لكن هذا المسار انهار بسرعة، إذ هبطت صادرات أوكرانيا إلى إيران في عام 2023 إلى نحو 1.69 مليون دولار فقط، في مؤشر واضح على سقوط الركيزة الاقتصادية للعلاقة.
قطاعات التعاون.. من الزراعة إلى الطاقة والنقل
لم يقتصر التعاون بين البلدين على بيع وشراء السلع. ففي عام 2017 تحدثت السفارة الأوكرانية في طهران عن سعي كييف إلى توسيع التعاون مع إيران في الطاقة والنقل، إلى جانب استمرار الرهان على الزراعة بوصفها أحد أهم مجالات التكامل الممكن. ونقلت السفارة حينها عن السفير الأوكراني قوله إن أوكرانيا يمكنها ضمان إمدادات زراعية وغيرها لإيران، فيما يمكن لطهران أن تمثل شريكًا مهمًا في ملف الطاقة.
كما تحدثت مصادر أوكرانية متخصصة عن آفاق تعاون في الصناعات الثقيلة والآلات والميتالورجيا والثروة الحيوانية والطب البيطري، إضافة إلى مجالات متصلة بالخدمات اللوجستية والهندسية.
وربما لم تتحول معظم هذه الطموحات إلى شراكة استراتيجية مكتملة، لكنها تعكس بوضوح أن أوكرانيا لم تكن تنظر إلى إيران فقط كسوق للحبوب، بل كساحة أوسع يمكن البناء فيها على المصالح الاقتصادية المتبادلة.
ولهذا تحديدًا بدا الانهيار اللاحق أكثر دلالة، فعندما تنتقل علاقة كانت تقوم على أرقام فعلية في التبادل، وعلى تصورات لتوسيع التعاون في الطاقة والنقل والصناعة، إلى علاقة عنوانها العقوبات والتصنيفات الإرهابية وخفض التمثيل الدبلوماسي، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر، بل أمام تغير بنيوي كامل في تعريف كل طرف للآخر.
الطائرة الأوكرانية.. الجرح الأول
إذا كان لا بد من تحديد اللحظة التي بدأت فيها الثقة بين كييف وطهران تتصدع بعمق، فستكون بلا شك حادثة إسقاط طائرة الخطوط الجوية الأوكرانية PS752 في 8 يناير/ كانون الثاني 2020. فقد أدى إسقاط الطائرة بعد إقلاعها من طهران إلى مقتل 176 شخصًا، في واحدة من أكثر القضايا إيلامًا في العلاقة بين البلدين.
إيران أنكرت في البداية مسؤوليتها، قبل أن تعترف لاحقًا بأن قواتها أسقطت الطائرة "عن طريق الخطأ". لكن بالنسبة إلى أوكرانيا، لم تكن المشكلة في وقوع الكارثة وحدها، بل في طريقة إدارة الملف: من الإنكار الأولي، إلى الاعتراف المتأخر، إلى الجدل بشأن التحقيق والمحاسبة والشفافية.
وبعد سنوات، انضمت أوكرانيا مع كندا وبريطانيا والسويد إلى مسار قانوني أمام محكمة العدل الدولية بشأن القضية، في إشارة إلى أن ملف الطائرة لم يُغلق سياسيًا أو أخلاقيًا بالنسبة إلى كييف.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد ممكنًا الحديث عن علاقة طبيعية بالكامل بين الجانبين، ولو أنّها لم تصل إلى القطيعة الكاملة أيضًا. فقد بقيت القنوات الدبلوماسية مفتوحة،وكأن الطرفين يتركان هامشًا ضيقًا لإدارة الأزمة أو احتوائها.
لكن ما لم تحسمه أزمة الطائرة، جاءت الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا لتدفعه إلى نقطة الانهيار الكامل تقريبًا.
الحرب على أوكرانيا.. إيران تدخل قلب المعركة
مع بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، دخلت العلاقة بين كييف وطهران مرحلة جديدة أكثر خطورة. ففي سبتمبر من ذلك العام، أعلنت كييف أنها أسقطت مسيّرات إيرانية الصنع استخدمتها القوات الروسية، ثم قررت خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع طهران، وسحب اعتماد السفير الإيراني، وتقليص عدد الدبلوماسيين الإيرانيين لديها.
يومها وصف زيلينسكي ما قامت به طهران بأنه "تعاون مع الشر".
هنا تغيّر كل شيء في تعريف أوكرانيا لإيران. بالنسبة لكييف، لم تعد إيران فقط دولة ارتبط اسمها بملف الطائرة الأوكرانية، بل أصبحت طرفًا يسلّح الخصم الذي يقصف مدنها ويستهدف بنيتها التحتية.
ومن هنا تحديدا انتقل الخلاف من مستوى الأزمة الدبلوماسية إلى مستوى العداء السياسي والأمني المباشر.
ماذا قالت إيران عن أوكرانيا؟
-
في 23 يونيو/ حزيران 2022 قال وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إن أزمة أوكرانيا لا يمكن حلها إلا عبر الدبلوماسية، وذلك خلال مؤتمر صحفي في طهران إلى جانب نظيره الروسي سيرغي لافروف.
-
لكن هذا الخطاب دخل لاحقًا في تناقض حاد مع ملف المسيّرات. ففي 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2022 نفت طهران رسميًا تزويد روسيا بمسيّرات لاستخدامها في أوكرانيا. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، اعترف وزير الخارجية الإيراني بأن بلاده سلّمت موسكو "عددًا محدودًا" من المسيّرات، لكنه قال إن ذلك حدث قبل بدء الغزو الروسي الشامل.
-
في فبراير/ شباط 2024 نقلت وكالة رويترز عن ستة مصادر قولها إن إيران أرسلت إلى روسيا مئات الصواريخ الباليستية، بينما نفت طهران في سبتمبر/أيلول 2024 تقارير عن نقل صواريخ قصيرة المدى إلى موسكو. وفي المقابل، كانت واشنطن قد قالت إن روسيا تسلمت بالفعل شحنة من هذه الصواريخ، فيما حذرت أوكرانيا من أن استخدام هذه الأسلحة قد يدفعها إلى مزيد من التصعيد الدبلوماسي.
من خفض العلاقات إلى الحديث عن القطيعة
بعد ظهور المسيّرات الإيرانية في سماء أوكرانيا، لم يقتصر الرد الأوكراني على التنديد السياسي، ففي 23 سبتمبر 2022 أعلنت كييف خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وبعد أقل من شهر، في 18 أكتوبر 2022، قال وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا إنه رفع إلى الرئيس زيلينسكي مقترحًا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، محملًا طهران المسؤولية الكاملة عن تدمير علاقتها مع أوكرانيا.
وهنا يتضح أن كييف لم تكن تتحرك بمنطق اعتراض محدود على سلوك بعينه، بل بمنطق إعادة تعريف كاملة للعلاقة مع إيران، فالدولة التي كانت شريكًا اقتصاديًا ممكنًا صارت في هذه المرحلة تُعامل تدريجيًا كطرف معادٍ، لا كطرف مختلف معه فحسب.
عقوبات لخمسين عامًا
في مايو/ أيار 2023 طرح الرئيس الأوكراني فولودمير زيلينسكي مشروع قرار لفرض عقوبات قطاعية على إيران لمدة خمسين عامًا ردًا على ما قالت كييف إنه استمرار الإمدادات العسكرية الإيرانية لروسيا، ثم مضت المؤسسات الأوكرانية في هذا المسار العقابي.
أهمية هذه العقوبات لا تكمن في طول مدتها فقط، بل في معناها السياسي، فأوكرانيا لم تعد ترى المشكلة مع إيران أزمة طارئة أو قابلة للتبريد السريع، بل خصومة ممتدة ترتبط مباشرة بأمنها القومي، وعندما تتحدث دولة عن عقوبات تمتد لنصف قرن، فهي تقول ضمنًا إن ما جرى لم يعد مجرد أزمة قابلة للحل عبر وساطة أو مراجعة محدودة، بل مسارًا عدائيًا طويل الأمد يستوجب العزل والردع وقطع كثير من الجسور القديمة.
قرار زيلينسكي بشأن الحرس الثوري
في مطلع فبراير/شباط 2026 نُقل عن الرئيس زيلينسكي قوله إن أوكرانيا صنّفت الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، في خطوة تنقل الصدام مع إيران من مستوى الدولة إلى مستوى المؤسسة الأمنية والعسكرية الأكثر نفوذًا فيها.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تنقل الصدام مع إيران من المجال الدبلوماسي إلى المجال القانوني والسياسي الأشد حساسية. فالحرس الثوري، في الرواية الأوكرانية، ليس مجرد مؤسسة عسكرية إيرانية، بل الجهة المرتبطة بملفين أساسيين في مسار الانهيار، وهما إسقاط الطائرة الأوكرانية من جهة والدور الإيراني في المسيّرات والصواريخ من جهة أخرى. لذلك، فإن تصنيفه منظمة إرهابية كان بمثابة تثبيت رمزي وقانوني لانتقال إيران، في الوعي الأوكراني، من خانة الشريك الصعب إلى خانة الخصم المباشر.
كيف تنظر أوكرانيا إلى إيران الآن؟
في الخطاب الأوكراني الحالي، لم تعد إيران تُقدَّم كدولة اختلفت معها كييف على تحقيق أو تعويض أو ملف دبلوماسي بل كطرف ساهم في صياغة جزء من التهديد الجوي الذي واجهته أوكرانيا طوال الحرب.
زيلينسكي قال في أواخر فبراير/شباط 2026 إن روسيا استخدمت أكثر من 57 ألف طائرة "شاهد" إيرانية التصميم ضد أوكرانيا منذ بدء الحرب الشاملة، ثم أعلن بعد ذلك أن بلاده مستعدة لمساعدة الولايات المتحدة وشركائها في مواجهة المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط.
خلاصة المشهد
هكذا، لا تبدو قصة أوكرانيا وإيران قصة خصومة قديمة، بل قصة علاقة بدأت بالمصالح، ثم تصدعت بالمأساة، قبل أن تسقط نهائيًا تحت وقع الحرب.