السبت 18 أبريل / أبريل 2026
Close

من قلب طهران.. كيف أعادت الحرب رسم المعادلات بين إيران وواشنطن؟

من قلب طهران.. كيف أعادت الحرب رسم المعادلات بين إيران وواشنطن؟

Changed

شارك القصة

الصمت والخراب في طهران يلخصان أثر شهر من الحرب على المدينة وسكانها
الصمت والخراب في طهران يلخصان أثر شهر من الحرب على المدينة وسكانها - غيتي
الصمت والخراب في طهران يلخصان أثر شهر من الحرب على المدينة وسكانها - غيتي
الخط
كيف تبدو طهران بعد شهر من الحرب؟ وما الذي تغيّر في ميزان الردع والاقتصاد والجغرافيا السياسية في المنطقة؟
طهران الصامتة...

أجلس إلى جانب صديق إيراني في السيارة، وهو يقود بنا عبر شوارع طهران، بينما أراقب المدينة من خلف الزجاج كأنني أراها للمرة الأولى. على غير عادتها، تبدو الشوارع فارغة، بلا ضجيج، وبلا زينة نوروز التي كانت كل عام تضيف إلى جمال المدينة جمالًا. هذا العام، لا شيء سوى صمت ثقيل يخيّم على المدينة، كأنها تحبس أنفاسها تضامنًا مع الإيرانيين الذين يحبسون أنفاسهم منذ شهر، حين بدأت الحرب الإسرائيلية الأميركية على بلادهم.

الحداد حاضر في كل زاوية. صور المرشد الراحل علي خامنئي تنتشر على الجدران، وتتجاور في كثير من الأحيان مع صور ابنه مجتبى، في إشارات لا تخطئها العين إلى لحظة انتقالية حساسة. لا عازفو موسيقى في شارع ولي عصر الشهير، ولا احتفالات في الحدائق، ولا ازدحامات في أماكن الترفيه والسياحة، فقط وجوه متعبة تمرّ بسرعة، ومحال ومجمّعات تجارية تعيش حالة برزخ غريبة؛ لا هي مغلقة تمامًا ولا مفتوحة بالكامل، كأنها هي الأخرى عاجزة عن اتخاذ قرار في مدينة معلّقة بين زمنين، وأكثر ما يُسمع فيها بوضوح هو صوت الصواريخ.


ندوب على جسد المدينة


نمرّ بين الأحياء، فتظهر الأبنية المتضررة كندوب واضحة على جسد المدينة. شقق مفتوحة على الفراغ، جدران منهارة، وشرفات معلّقة.

هذه ليست فقط آثار قصف، بل حيوات انقلبت بين ليلة وضحاها رأسًا على عقب.

يقول الهلال الأحمر الإيراني إن عدد الوحدات غير العسكرية المتضررة وصل إلى ما يقارب 95 ألف وحدة في عموم إيران مع نهاية الشهر الأول من الحرب، ثلثها في طهران.
أبنية متضررة في طهران بعد ضربات طاولت أحياء سكنية في العاصمة
أبنية متضررة في طهران بعد ضربات طاولت أحياء سكنية في العاصمة - غيتي

بالنسبة للبعض، هي شاهد على نقض القوانين الدولية من قبل القوات الإسرائيلية والأميركية. أقول لصديقي: "لا أعتقد أن للحرب قوانين، فهي كلها خطأ أينما كانت".

وبالنسبة لآخرين، هي علامات متراكمة فوق إرهاق قديم فرضته عقود من الضغوط الاقتصادية.


حرب لم تبدأ من الصفر


قد يبدو لزائر طهران أن إيران تمكّنت من تجاوز العقوبات؛ فالأبنية تعلو، والشوارع عريضة، والمدينة نظيفة، والخدمات كثيرة. ليست كوبا التي تُسوّق للعالم بسياراتها التي تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، لكن وجوه البلاد كثيرة، وتناقضاتها عديدة، وللإيرانيين عقليتهم وطرقهم في العيش.

كانت البلاد متعبة، دون شك، والاحتجاجات المطلبية قبل نحو شهرين لا تزال في الأذهان. باختصار، الحرب هنا لم تبدأ من الصفر، بل وجدت مدينة مثقلة أصلًا.

يقود بنا صديقي داخل أزقة جميلة. البراعم على الأشجار، وأعلام إيران الكبيرة على بعض الأبنية تدل على استهدافها. في بعض المواقع، يبدو الدمار دقيقًا بشكل لافت. طوابق بعينها، شقق محددة، كأن الاستهداف كان موجّهًا لا عشوائيًا.

ورغم أن البيانات الرسمية تكتفي ببعض الإعلانات عن مقتل شخصيات "مهمة"، فإن ما يُتداول بين الناس يشير إلى أن كثيرًا من هذه الضربات كان أقرب إلى عمليات اغتيال مركّزة، لم يُكشف عن كل تفاصيلها، ولم تُراعِ أيضًا تلاصق الأبنية والشقق. أقول لصديقي: "لا أعتقد بوجود أسلحة ذكية".

وليس هذا فحسب، فالاستهدافات طالت ثكنات عسكرية لا تُرى، ومراكز شرطية وأمنية، كما طالت المراكز الصحية والتعليمية وغيرها.

تشير إحصائية اليوم الثلاثين من الحرب، بحسب الهلال الأحمر الإيراني، إلى أن 295 مركزًا صحيًا وطبيًا خرجت عن الخدمة في عموم إيران، فضلًا عن 17 مركزًا للهلال الأحمر الإيراني ونحو 100 سيارة إسعاف أو إنقاذ، فيما لحق الدمار والضرر بـ600 مركز تعليمي.

أرقام ثقيلة، لكنها لا تختصر حجم الخسارة التي تظهر للعيان في تفاصيل الحياة اليومية، أو في روح كثير من الإيرانيين التي تصدعت مع تصدعات قصر غُلستان، وقصر سعد آباد، وقلعة فلك الأفلاك، ومقبرة بابا طاهر، وقصر الأربعين عمودًا، ومنزل المخرج الراحل عباس كيارستمي، وغيرها الكثير.

في لقاء جمعني به قبل أيام، قال وزير السياحة والإرث الثقافي الإيراني:

"العدو اليوم، بكل ما يملك من قوة، يستهدف مختلف إمكاناتنا، وفي مقدّمها حضارتنا وثقافتنا، فيما تبقى المقاومة استراتيجيتنا الوحيدة في مواجهته. ولدينا 800 موقع أثري في مختلف أنحاء إيران، وقد جرى نقل محتوياتها جميعًا إلى خزائن آمنة داخل مخابئ مخصصة لحمايتها. كذلك أوقفنا زيارات المتاحف، سواء للإيرانيين أو للأجانب، حفاظًا على سلامة الجميع من اعتداءات العدو.

وأحذّر هنا من أنه إذا لم تتمكن المنظمات الدولية، ومعها الضمير الإنساني العالمي، من ردع هذا الكيان الصهيوني القاتل للأطفال، فإن المستقبل الثقافي والحضاري للمنطقة سيكون في خطر. ونأمل أن ننجح، عبر الخطوات التي اتخذناها، في الحؤول دون ذلك. ووفقًا للقوانين، كان يتعيّن علينا وضع العلامات الزرقاء على جميع الأوابد التاريخية، وقد فعلنا ذلك، غير أن العدو، في الواقع، لا يكترث لا للصليب الأحمر، ولا للعلامة الزرقاء، ولا لأي من الأنظمة الدولية".

ترجمة – رضا صالحي أميري، وزير السياحة والإرث الثقافي الإيراني

وإذا كانت طهران توجّه الاتهام إلى إسرائيل والولايات المتحدة، لا على أساس مسؤوليتهما عن الضربات فقط، بل أيضًا على أساس "استهداف تاريخ إيران وحضارتها"، فإن إسرائيل تستدعي، في المقابل، سردية تاريخية أكثر تعقيدًا. فالعلاقة بين إسرائيل وفارس تمتد إلى جذور بعيدة، من قصة الملكة إستير في البلاط الفارسي، إلى دور الإمبراطورية الفارسية في إنهاء السبي البابلي. حتى إن متحدثة بالفارسية باسم الجيش الإسرائيلي ظهرت، في ذروة الحرب، من أحد شوارع تل أبيب، لتقول إنه لا توجد مدينة في إسرائيل تقريبًا إلا وتحمل اسم كورش.


الإيرانيون بين التعبئة والهروب والمنطقة الرمادية


يتفق كثيرون على أن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، ومعه ثلة من القادة العسكريين، ولاحقًا مواصلة اغتيال عدد من المسؤولين والقيادات، ومنهم أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، لم يُفقد النظام الإيراني السيطرة.

سريعا ضُبطت الأوضاع، ليس لأن إيران بلد مؤسسات فقط، بل لأنها، كما يقول عارفون، توقعت الحرب فأعدّت خططها، حتى إنها حدّدت بين ثلاثة وسبعة بدائل لكبار المسؤولين.

كتبت "نيويورك تايمز" إبان اغتيال لاريجاني:

"هيكلية الحكم في إيران أيديولوجية، أي إن كل القوة والنظام بيد شخص أو مجموعة من الأشخاص، لكن في الحقيقة ما هو قوي هو الأيديولوجيا في عقل الأشخاص".

هذه الأيديولوجيا هي التي تدفعهم إلى عدم الهروب والقتال رغم معرفتهم أنهم قد يُقتلون.

في الشطرنج، قتل الملك ينهي اللعبة، لكن في مساحة الأيديولوجيا لكل لاعب دور مهم في المعركة.

باختصار، تمكّن المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي من إعادة هندسة شرعية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي بُنيت من خلال الكاريزما الثورية لمؤسسها روح الله الخميني، عبر بناء المؤسسات المتداخلة والمتشابكة، وتعزيز القدرات الأمنية والعسكرية، وبناء درع إقليمي، وإدارة تناقضات عديدة شكّلت حالة مقدسة ضمن بنية دينية - شعبية يصعب تفككها.

في الشارع، لم ينتفض الإيرانيون، كما توقع البعض في واشنطن وتل أبيب، وهذا لا يعود إلى تأييد الشعب الإيراني بالكامل لنظام الجمهورية الإسلامية، بل لعوامل عديدة، أهمها أن الحرب طالت مقدرات الأمة الإيرانية، وطالت أمان الإيرانيين، ولأن الإيرانيين عايشوا تجارب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وغيرها، وحتى في سوريا.

تباين واضح في المشهد الإيراني بين التعبئة السياسية ومحاولات الهروب من ثقل الحرب
تباين واضح في المشهد الإيراني بين التعبئة السياسية ومحاولات الهروب من ثقل الحرب - غيتي

لم تخلُ شوارع طهران، منذ الإعلان عن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، من تجمعات داعمة للنظام لم تتوقف، تحرص على الحضور في الساحات كأنها تريد قطع الطريق أمام أي محاولة لاستغلال الوضع. وفي المقابل، ثمّة مشاهد تبدو وكأنها من عالم آخر: مقاهٍ ومطاعم تعجّ برواد يبحثون عن الهروب، بأجواء أبعد ما تكون عن مدينة تعيش حربًا، مع موسيقى وضوء خافت وضحكات عالية، كأنهم يعيشون في "لا لا لاند" خاص بهم.

يلتفت إليّ صديقي، وهو يقود، ويخبرني ببساطة أنه حضر قبل أيام حفلة عيد ميلاد لقريبة له. هو تفصيل صغير، لكنه يكشف حجم التباين داخل المدينة.

هؤلاء يعلون الصوت بالأغاني، وأولئك يعلون الصوت بالشعارات الداعمة للنظام والقوات المسلحة، وشعارات الموت لإسرائيل وأميركا.

وبين هذه التناقضات، تتوزع مواقف الناس. هناك مؤيدو النظام، الذين يرون في هذه الحرب امتدادًا لمعركة سيادية - وجودية. في المقابل، هناك معارضون، بعضهم صامت، وبعضهم يحاول الفعل، لكنهم يُعتقلون "للارتباط بالعدو" والعمالة له.

لا يمر يوم دون اعتقالات في مدن إيرانية مختلفة. أجهزة الاستخبارات الإيرانية المختلفة تعلن عن ذلك في بيانات رسمية: هنا من هلل للصواريخ الأميركية - الإسرائيلية، أو صوّر الاستهدافات موثقًا النتائج لقنوات معارضة، أو صوّر تجمعات ومراكز أمنية مقدّمًا المساعدة في الحرب للأعداء، وهناك من يزوّد بالإحداثيات والصور بمعلومات أخطر، وهناك من يحاول التحرّك على الأرض مجهزًا بأسلحة.

وبين المؤيدين والمعارضين، تقف فئة ليست بالصغيرة في المنطقة الرمادية. لا تهتف، ولا تعارض علنًا، لكنها تريد ببساطة أن تنتهي الحرب. ليس فقط بحثًا عن الأمان، بل أملًا في إنقاذ ما تبقى من اقتصاد يترنح. هذه الفئة تتأثر بما يُضخّ من أخبار، وتتماوج مواقفها، وهي تتحدث في ما بين أفرادها، مع تغير الوقائع على الأرض.

كيف تطورت أهداف الحرب؟


  • المرحلة الأولى: استهداف الرؤوس والقيادات

كانت البداية عبر محاولة إضعاف أركان النظام الإيراني من خلال ما تسميه إسرائيل "قطع الرأس".


  • المرحلة الثانية: ضرب البنية العسكرية والأمنية

استهدافات إسرائيلية - أميركية للبنية والقدرات العسكرية، بالتزامن مع استهدافات أمنية لخلق الفوضى وزعزعة الأوضاع، ومع اغتيالات أريد لها تجفيف القيادات والنخب العلمية.


  • المرحلة الثالثة: توسيع الضربات إلى الاقتصاد والطاقة

استهدافات للصناعات الإيرانية، وخاصة صناعة الفولاذ، وكل الصناعات المرتبطة بالصناعات العسكرية بشكل أو بآخر، مع تعريج على استهدافات للمقدرات الإيرانية في مجالات الطاقة لإظهار القوة وخلق الإرباك لدى إيران، وصولًا إلى استهداف ما تبقى من الصناعة النووية الإيرانية. ولعلّ استهداف منشأة خنداب للماء الثقيل وأركان لإنتاج الكعكة الصفراء أريد له إكمال تفتيت سلسلة إنتاج الوقود النووي في إيران.


هذه الاستهدافات لها ما بعدها، إذ تبدو مرحلة ما بعد الحرب اقتصاديًا أكثر صعوبة ربما من مرحلة الحرب نفسها.

 رفعت الولايات المتحدة وإسرائيل الكلفة على إيران، مقابل رفع طهران الكلفة عليهما، خاصة على واشنطن، باستهداف قواعدها ومصالحها في المنطقة، والتحكم بمضيق هرمز، ما أثر في أسعار النفط والطاقة عالميًا.

وسّعت الولايات المتحدة وإسرائيل بنك أهدافهما في إيران، فوسّعت طهران دائرة استهدافاتها، حتى إنها لم تعد تريد معادلة "العين بالعين"، وإنما تريد الرد بشكل أوسع وأكثر كلفة لخلق "ردع"، كما تقول، يمتنع بعدها الطرف المقابل عن التفكير في الاعتداء على إيران مرة أخرى.


لماذا يبقى مضيق هرمز الورقة الأخطر؟

تبقى الورقة الأهم بيد إيران، دون شك، هي مضيق هرمز. لماذا؟ 

  • يمر عبر المضيق جزء كبير من تجارة النفط والغاز والوقود المنقول بحرًا.
  • أي اضطراب فيه لا يبقى محصورًا في الخليج، بل ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد عالميًا.
  • بالنسبة إلى إيران، لا يُنظر إلى هرمز كممر مائي فحسب، بل كورقة ضغط وردع يمكن من خلالها رفع كلفة الحرب على خصومها.

وبالفعل، من خلال التحكم بمضيق هرمز، تمكنت من رفع أسعار الطاقة بنسبة تصل إلى نحو 60% عما كانت عليه قبل الحرب. وتتحدث وكالة الطاقة الدولية خسارة أكثر من 12 مليون برميل يوميًا من إمدادات النفط حتى الآن بسبب الحرب في الشرق الأوسط، ومن المتوقع أن تتفاقم خسائر النفط في أبريل/ نيسان.


اقتصاد ما بعد النار


اللافت أن "تحكم إيران بمضيق هرمز" وارتفاع أسعار النفط أسهما في تحسن الاقتصاد الإيراني. وعلى الرغم من تعطل البيع والشراء في الداخل، وسرقة أسواق ليلة العيد من الإيرانيين، فإن الريال الإيراني تحسن بنحو 6%، وهو ما يرجعه خبراء اقتصاديون إلى بيع مزيد من النفط الإيراني بأسعار أعلى، وهي عائدات حسّنت من معدل التضخم قليلًا، ولو أنه لا يزال مرتفعًا عند 67% بحسب تقديرات.

لكن هذا لا يعني أن الأسواق بخير.
الأسواق الإيرانية دخلت الحرب في توقيت حساس تزامن مع موسم النوروز
الأسواق الإيرانية دخلت الحرب في توقيت حساس تزامن مع موسم النوروز - غيتي

لا أسواق طهران ولا أسواق غيرها من المدن الإيرانية بخير. بدأت الحرب في التوقيت الأسوأ بالنسبة إلى السوق: عشية عيد النوروز، الفترة التي يعوّل عليها التجار ورجال الأعمال، والفترة التي ينتظرها القطاع السياحي في البلاد.

أنزل مع صديقي إلى أحد المجمّعات التجارية المعروفة شمال طهران. سفرة الهفت سين، منذ ما قبل النوروز، وحيدة في المجمّع، لا ازدحام أمامها لالتقاط الصور كما جرت العادة. حتى طاولات الفود كورت فارغة.

نتبادل النقاش معًا ونتفق على أن "ما بعد الحرب" قد يكون أصعب من الحرب نفسها. وبحسب الهلال الأحمر الإيراني، فإن أكثر من 115 ألف وحدة غير عسكرية تدمرت أو تضررت بسبب الحرب خلال خمسة أسابيع.


الإنجازات العسكرية..

ثلاث روايات وحقيقة واحدة


بعيدًا عن الاقتصاد الإيراني وتبعات الحرب الإقليمية والعالمية، تستعرض كل من إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بعد شهر ونيف على الحرب، حصيلة ما تقول إنها أنجزته ميدانيًا.

لكل طرف روايته الخاصة عن حجم الضربات وفاعلية الرد، لكن تباين هذه الروايات لا يلغي حقيقة أساسية: ما تحقق عسكريًا لا يزال موضع اختبار سياسي، وما دُمّر على الأرض لم يُترجم بعد إلى حسم نهائي في اتجاه الحرب أو في شكل ما بعدها.


  • طهران

تقول طهران، مع استمرار موجات "الوعد الصادق 4"، إنها تمكنت من استهداف بنى تحتية صناعية وعسكرية داخل إسرائيل، من بينها مواقع تقول إنها ذات أهمية استراتيجية، كما تتحدث عن إصابة أهداف عسكرية أميركية، وعن إسقاط أو إعطاب عدد من الطائرات والمسيّرات والقدرات الرادارية.

تقدّم إيران هذه الحصيلة بوصفها دليلًا على أن قدرتها على الرد لم تُكسر، وأنها لم تكتفِ بامتصاص الضربات، بل نجحت أيضًا في نقل المعركة إلى مساحات أوسع، من الداخل الإسرائيلي إلى الممرات البحرية والطاقة.

وتضيف إلى ذلك عاملًا آخر بالغ الأهمية في روايتها للحرب، هو دخول حلفائها إلى خط المواجهة بدرجات متفاوتة، بما يعزز، في نظرها، صورة الحرب بوصفها مواجهة متعددة الجبهات لا معركة ثنائية محصورة بين إيران وإسرائيل أو بين طهران وواشنطن.

وضمن هذا السياق، يبدو مضيق هرمز في الخطاب الإيراني أكثر من مجرد ممر بحري؛ إنه ورقة ضغط استراتيجية، ووسيلة لرفع الكلفة عن الخصوم، ورسالة مفادها أن أمن الطاقة والتجارة في المنطقة لا يمكن عزله عن أمن إيران وموقعها في المعادلة الإقليمية.


  • واشنطن

أما واشنطن، فتقول إن قواتها قصفت آلاف الأهداف داخل إيران منذ بدء عملياتها، ونفذت عددًا كبيرًا من الطلعات الجوية القتالية، ودمّرت أو ألحقت أضرارًا بقدرات عسكرية وبحرية إيرانية واسعة.

تقدّم الإدارة الأميركية هذه الحصيلة باعتبارها إنجازًا عملياتيًا كبيرًا يهدف إلى إضعاف بنية إيران العسكرية وتقليص قدرتها على إعادة بناء منظوماتها سريعًا، لا سيما في المجالات المرتبطة بالصواريخ، والدفاعات، والبحرية، والبنية النووية.

ومن هذا المنظور، لا تبدو الضربات الأميركية، كما تُقدَّم رسميًا، مجرد مساهمة في حرب جارية، بل محاولة لإعادة رسم حدود القوة الإيرانية في الإقليم، وفرض كلفة باهظة على أي مسار تصعيدي تتبناه طهران.

غير أن هذه الرواية الأميركية، على قوتها النارية، لا تبدو مكتملة سياسيًا حتى الآن، لأن حجم التدمير المعلن لم ينجح، حتى اللحظة، في إنتاج تحول واضح في سلوك النظام الإيراني أو في دفعه إلى تراجع استراتيجي حاسم.


إسرائيل

من جهتها، تتحدث إسرائيل عن مئات الطلعات الهجومية، وآلاف الأهداف التي استهدفتها داخل إيران، وتقول إنها أصابت بنية عسكرية ونووية واسعة، وقتلت عددًا كبيرًا من القادة والعسكريين، ووسعت بنك أهدافها بما يتيح مواصلة الضغط في حال استمرار الحرب. 

تعرض إسرائيل هذه النتائج باعتبارها نجاحًا في نقل الحرب إلى عمق إيران، وفي تقويض جزء كبير من قدراتها العسكرية، وخصوصًا تلك التي ترى فيها تهديدًا مباشرًا لأمنها في المدى القريب والمتوسط.

لكن الرواية الإسرائيلية، مثل غيرها، تصطدم أيضًا بحدود القوة العسكرية حين تُفصل عن المآلات السياسية. فإضعاف القدرات لا يعني بالضرورة إسقاط الإرادة، وقتل القيادات لا يعني تلقائيًا تفكك البنية، كما أن اتساع بنك الأهداف لا يوازي دائمًا القدرة على إنتاج نهاية سياسية واضحة للحرب. ولعل هذا تحديدًا ما يجعل الحديث عن "الإنجاز" في الحالة الإسرائيلية أكثر تعقيدًا مما توحي به البيانات العسكرية اليومية.


ماذا تقول هذه الحصيلة فعليًا؟

تكشف الروايات الثلاث أن كل طرف يحاول أن يثبت أنه نجح في فرض منطقه على ساحة المعركة: إيران تقول إنها صمدت ورفعت الكلفة واحتفظت بأوراق الردع، والولايات المتحدة تقول إنها دمّرت وقيّدت وأضعفت، فيما تقول إسرائيل إنها اخترقت العمق الإيراني ووسعت مجال السيطرة بالنار. لكن ما يظهر بعد شهر ونيف من الحرب أن الفجوة لا تزال واسعة بين الإنجاز العسكري المعلن والنتيجة السياسية الفعلية.

تقول الإدارة الأميركية وإسرائيل إنهما نجحتا إلى حد كبير في تدمير قدرات إيران العسكرية والنووية، بحيث لم يعد بإمكان إيران إعادة بنائها لسنوات. لكن تحقيق كل أو جل أو بعض الأهداف العسكرية لا يعني تحقيق الأهداف السياسية.

فالنظام الإيراني انتقل اليوم من "الغموض النووي" إلى مرحلة "الغموض الاستراتيجي - شبه الكامل" ربما، والسعي الأميركي للتفاوض مع إيران، كما تصوّر طهران، يعني انتصار النظام، وبالتالي فشل الأهداف السياسية التي رمت إليها الحرب، كما هو الحال مع استمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات رغم الضربات الأميركية - الإسرائيلية الواسعة على القدرات العسكرية الإيرانية.


من هرمز إلى التفاوض.. معادلات الاستنزاف


من معادلة مضيق هرمز، إلى إظهار القدرة على الاستمرار في إطلاق الصواريخ والمسيّرات، إلى ضبط الجبهة الداخلية على الصعد كافة، إلى تفعيل جبهات أخرى من حزب الله في لبنان إلى فصائل عراقية وصولًا إلى أنصار الله الحوثيين في اليمن، إلى استهداف دول المنطقة، خاصة الخليجية... تستنزف إيران الطرف المقابل مع إدراكها الأوضاع الداخلية الأميركية: المدة القانونية المتاحة أمام الرئيس الأميركي لاستكمال عملية عسكرية خاصة دون أخذ موافقة الكونغرس، استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت، بدء التحضيرات للانتخابات النصفية، أسعار الوقود...

تحوّل مضيق هرمز إلى واحدة من أبرز أوراق الضغط في الحرب ومعادلاتها
تحوّل مضيق هرمز إلى واحدة من أبرز أوراق الضغط في الحرب ومعادلاتها - غيتي

ومع كل ذلك، لا تُغلق طهران باب الدبلوماسية. لا يهدأ هاتف وزير الخارجية الإيرانية، ولا الرئيس الإيراني كذلك، ولا تهدأ التحركات الإقليمية لوقف الحرب. وبين شروط الولايات المتحدة الخمسة عشر، وشروط إيران الخمسة، تُبذل الجهود لوقف حرب يؤمن كثيرون أن إسرائيل هي الوحيدة التي كانت تدفع إليها.

لكن في هذه الحرب، تغيرت أرض المعركة، وتغيرت ظروف الحرب كذلك، لذا تغيرت شروط المفاوضات أيضًا، وكذلك أهدافها، على ما يبدو.

تستمر الحرب بين المقاتلات والصواريخ، وتبدو بعد شهر على مفترق طرق بين الاستمرار، ليكون المنتصر هو من يصمد أكثر، مع احتمالات توسيع بنك الأهداف ورقعة الحرب، واحتمالات دخول القوات البرية ساحة المعركة، أو إنجاح الحل الدبلوماسي في ظل شروط متناقضة بين الطرفين.

وهنا يذكّر المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر للعيان منذ انتخابه بعد اغتيال والده، بأن السياسة الثابتة للجمهورية الإسلامية الإيرانية هي دعم المقاومة ضد العدو الصهيوني - الأميركي، فيما يخاطب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الأميركيين، في رسالة طويلة من 14 فقرة مكوّنة من 1035 كلمات. يقول:

"لم تختر إيران قط، في تاريخها الحديث، طريق العدوان أو التوسع أو الاستعمار أو الهيمنة. حتى بعد أن عانت من الاحتلال والغزو والضغوط المتواصلة من القوى العالمية، ورغم تفوقها العسكري على العديد من جيرانها، لم تبدأ إيران حربًا قط. ومع ذلك، فقد صدّت بحزم وشجاعة كل من اعتدى عليها.

اليوم، يقف العالم على مفترق طرق. إن الاستمرار في طريق المواجهة بات أكثر كلفة وعبثية من أي وقت مضى. إن الخيار بين المواجهة والحوار خيار حقيقي ومصيري، وستحدد نتائجه مستقبل الأجيال القادمة".


أشبه بالخاتمة

لا يبدو أن النتائج ستكون جيدة لأي من الطرفين. هكذا هي الحروب. وإذا كانت الحرب العراقية - الإيرانية قد انتهت بتجرّع كأس سم، كما قال الإمام الخميني وقتها، لتكون أشبه بمعادلة خاسر - خاسر برأي كثيرين، فإن القاعدة التي تأسست بعد ذلك هي أن عدم السماح بتحقق أهداف الطرف المقابل يعني انتصارًا، وقد تجعل من معادلة الحرب الحالية رابحًا - رابحًا. وحتى ذلك الوقت تستمر الحرب، وأستمر في تغطيتها، وأستمر مع صديقي في القيام بجولات متى أتيحت الفرصة في طهران، التي تبدو كأنها عالقة بين ما كانت عليه وما قد تصبحه، مدينة تبحث عن توازن مفقود في زمن لا يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها.


كان من المفترض أن تنتهي المقالة هنا، ولكن...

شهادة من قلب الاستهداف:

حين صار المكتب جزءًا من الحرب


في صباح الأحد 29 مارس/ آذار 2026، وقبيل أن ألقي نظرة أخيرة عليها وأرسلها للنشر، وخلال إنجازي مداخلتي المباشرة الصباحية الأولى اليومية، التي أُجمل فيها أبرز التطورات الميدانية تحديدًا منذ منتصف الليل وحتى الصباح، باغت مكتب التلفزيون العربي في طهران صاروخ، ليصبح حالنا جزءًا من حال المدينة تمامًا.


دمار واسع في المبنى الذي يضم مكتب التلفزيون العربي في طهران بعد استهدافه صاروخيًا

كان يومًا عصيبًا. نجونا بأعجوبة. لا يمكن تصديق ما حدث. أول هجوم على وسيلة إعلام أجنبية عاملة في إيران. كنّا ننقل الخبر فأصبحنا الخبر.

الصحافيون الإيرانيون والأجانب يعربون عن تعاطفهم. إدارة التلفزيون العربي تدين الاستهداف. اتصالات لا تتوقف، وبث لا ينقطع ينقل الصورة الأوضح.

نجهّز مكتبًا جديدًا.


ما بعد الحرب.. أيّ إقليم يتشكّل؟


ينتهي النوروز ولا تنتهي الحرب، لكنها اقتربت من نهايتها ربما. إشارات أميركية كثيرة، على الأقل، تدل على ذلك، وأهمها المدة القانونية للعمليات العسكرية دون موافقة الكونغرس. بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هي حرب بقاء، وبالنسبة إلى إسرائيل هي حرب وجود شعرت أنه مهدد.

لم يُفتح مضيق هرمز، وتقول طهران إن حاله لن تعود إلى ما كانت عليه. إنهاء بقاء شبح الحرب هو ما تريده إيران حتمًا. لكن للحرب، برأي كثيرين، نتائج أبعد من ذلك، أبرزها تغيير النظام الجيوسياسي في المنطقة.

هيكلية إقليمية جديدة ستنتج، دون شك، من رحم الحرب والهوة التي زُرعت بين إيران والدول الخليجية.

يقول دبلوماسي عربي:


"الأصعب، دون شك، هو الحال التي ستكون عليها العلاقات الإيرانية الخليجية".

ويقول مصدر إيراني مطلع:


"لكن ما تفسده الحرب قد تصلحه الترتيبات الجيوسياسية، ومضيق هرمز قد يتحول من نقطة خلاف إلى نقطة التقاء إقليمية".

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من
سياسة - أميركا

شارك القصة

Share
ترمب خلال خطاب ألقاه أمام حركة "نقطة تحول الولايات المتحدة" المحافظة في فينيكس بولاية أريزونا
ترمب خلال خطاب ألقاه أمام حركة "نقطة تحول الولايات المتحدة" المحافظة في فينيكس بولاية أريزونا - رويترز

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن اليورانيوم المخصب سينقل من إيران إلى الولايات المتحدة بموجب أي اتفاق سلام يتم إبرامه.

سياسة - لبنان

شارك القصة

Share
العدوان الإسرائيلي على لبنان
ألحقت الغارات الإسرائيلية المكثّفة على الضاحية الجنوبية منذ بدء الحرب دمارًا هائلًا- رويترز

عادت أعداد من سكان الضاحية الجنوبية لبيروت لتفقد منازلهم بعد سريان هدنة بين جزب الله وإسرائيل.

سياسة - العالم

شارك القصة

Share
أعلنت إسرائيل في 20 مارس الماضي اعتقال جندي احتياط يعمل بمنظومة الدفاع الجوي
أعلنت إسرائيل في 20 مارس الماضي اعتقال جندي احتياط يعمل بمنظومة الدفاع الجوي - غيتي

ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها اعتقال جنود إسرائيليين بتهمة التجسس لصالح إيران منذ اندلاع الحرب بين الطرفين نهاية فبراير الماضي.