مشهدٌ جيوسياسيّ جديد يرتسم من حولنا، ولبنان، الواقع في قلب خارطة تتحرّك حدودها منذ سنتين، يتحرّك معها، طوعًا أو بفعل المتغيّرات المفروضة عليه.
خيار الانخراط في هذا التيار يُحدَّد داخليًا، أمّا تبعات مواجهته فمعلومة ومؤجّلة في آن، وقد يكون العدوان الإسرائيلي الأخير على جنوب لبنان، في المصيلح، بما تحمله رمزية المنطقة المرتبطة باسم رئيس البرلمان نبيه بري، وداره فيها، وما يمثّله بري كلاعب سياسي لا يُقارن بأيٍّ من سياسيي لبنان، ودوره الأخير في اتفاق وقف إطلاق النار، مؤشّرًا لما يمكن أن تكون عليه تبعات المواجهة القادمة.
منطقة منزوعة السلاح
تريد إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، منطقة منزوعة السلاح من غزة إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن؛ تريد عمليًا شلّ أي قدرة لأذرع إيران، والقرار هذا لا رجوع عنه. وتقول شخصية عربية لـ"التلفزيون العربي" إنّ نزع السلاح بات أمرًا واقعًا، وتطبيقه مسألة وقت، فنحن أمام مرحلة جديدة ومشهد مختلف.
أمّا داخليًا في لبنان، فإنّ معالجة ملف سلاح حزب الله وُضعت على السكة من خلال خطة الجيش اللبناني، على الرغم من كل التصريحات المخالفة لهذا التوجّه، وإن كان خيار "العصا" الذي تعتمده إسرائيل في لبنان قد يؤخّر المسار، إلّا أنّه لا يوقفه.
بيد أنّ الغارات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان شكّلت، بحسب كثيرين، محاولة لإثارة معارضة شعبية داخل الجنوب ضد حزب الله، ولو أنّ هذه المعارضة تجلّت أساسًا في غضب سكان المناطق المستهدفة من خارج بيئة الحزب، إذ إنّ المتضرّرين بمعظمهم من المسيحيين، ما فُسِّر على أنّه محاولة لافتعال مشكلة بين حزب الله وسائر الأفرقاء.
رسالة إسرائيلية إلى الجيش اللبناني
عمليًا، فإنّ الرسائل الإسرائيلية الأخيرة لم تكن باتجاه واحد؛ بل وُجّهت إلى جهات عدّة، داخلية وخارجية، بأبعاد سياسية وأمنية تتجاوز مسألة منع إعادة الإعمار، لكنها بالتأكيد لا تُسقط واقع القرى الحدودية من المشهد العام.
فبعد ما يقارب السنة على وقف إطلاق النار، لم يتمكّن السكان، منذ اللحظة الأولى وحتى اليوم، من رفع الركام الذي خلّفه العدوان، ولا تزال قرى الشريط الحدودي منكوبة، مهجورة، لم تخلع عنها بعدُ زيّ الدمار والحرب.
ومن ضمن الرسائل الإسرائيلية الأخيرة، أنّ تل أبيب لا تُبالي بدور الجيش اللبناني وخطّته، لا في الجنوب وتحديدًا جنوب الليطاني، ولا في أي بقعة من الأراضي اللبنانية. فتقرير الجيش الأوّل حول مهمّة "حصر السلاح"، الذي عرضه قائد الجيش والضباط المعنيون في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول على الحكومة اللبنانية، استعرض مهام جنوب الليطاني وشماله، ووثّق استمرار كشف الأنفاق ومخازن الصواريخ التي تقول إسرائيل إنّ مئتين منها لا تزال موجودة جنوب الليطاني.
وجاء بيان الجيش ليؤكد أنّ سبعة من أصل المئتين تم تفكيكها خلال شهر واحد، أي أنّ الجيش يستكمل مهامه، وإنْ كانت تعوقه فعليًا سيطرة الاحتلال على خمسة مواقع داخل الأراضي اللبنانية، لا قدرة للجيش ولا حتى لقوات "اليونيفيل" على الوصول إليها.
الرسالة الإسرائيلية إلى الجيش تأتي كذلك بعد أيام من إعلان واشنطن صرف 190 مليون دولار للجيش اللبناني، وهو دعم مشروط ضمنًا بدور الجيش تحديدًا في الجنوب والبقاع والحدود مع سوريا.
فواشنطن تعتبر أنّ هذه المساعدات تهدف إلى ضمان قدرة الجيش على تأكيد السيادة اللبنانية في جميع أنحاء البلاد، وتنفيذ القرار 1701 تنفيذًا كاملًا، باعتباره الإطار الوحيد القابل للتطبيق لترتيب أمني دائم على الحدود الجنوبية تحديدًا. غير أنّ بعض المراقبين يرون أنّ إسرائيل لن تمنح الجيش اللبناني ما يريده من فترة عمل تمتد 15 شهرًا لتطبيق خطته كاملة لحصر السلاح.
نتنياهو يقطع الطريق على مشروع ترمب؟
من هنا، يرى مسؤولون لبنانيون أنّ الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة تحمل أيضًا رسائل مبطّنة إلى واشنطن، فإسرائيل، عبر تصعيدها العسكري، تضرب مشروع السلام الذي يتحدث عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فبينما يقول ترمب إنّه يصنع السلام، يأتي ما جرى ليبدو وكأنه رصاصة تُطلق على مشروعه.
هكذا، ومع دخول غزة مرحلة جديدة بعد عامين من الإبادة، تتّجه الأنظار مجددًا إلى لبنان. فإذا خرجت حركة حماس من المشهد السياسي والعسكري الفلسطيني، وتوقّفت المسيرات والصواريخ الحوثية نحو تل أبيب وإيلات، وانكفأ الحشد الشعبي، وتذلّلت العقبات بين دمشق وتل أبيب، وتحولت المفاوضات الإيرانية الأميركية غير المباشرة إلى اتفاق علني، فإنّ أوراق التفاوض الإقليمي ستفقد قيمتها، ويصبح التخلي عنها أمرًا واقعًا.
ومن الآن حتى ذلك الوقت، سيبقى المسرح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواجه أزمة وجودية في السياسة، أزمة سيحاول تجاوزها عبر قطع الطريق على شريكه دونالد ترمب أمام حلم "السلام"، بعدما سقط حلم الأخير بجائزة نوبل.