انتظر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طويلًا اللقاء الأخير في البيت الأبيض، مع أن زياراته إليه أصبحت شبه اعتيادية منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى السلطة. فقد كان اجتماع الثلاثاء الثامن بينهما خلال عام ونصف، وهي جزئية لا يفوّت نتنياهو التذكير بها بوصفها دليلًا على متانة العلاقة.
لكن ما يغفله نتنياهو أن هذا اللقاء هو الأول منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهي الحرب التي شكّلت نقطة تحول، بعد نجاحه في دفع الولايات المتحدة إلى حرب مشتركة في لحظة انتظرها طويلًا ومهّد لها خلال العقدين الماضيين على الأقل.
تروّج إسرائيل لفكرة أن توقيت هذه الزيارة مهم في ظل اقتراب ترمب من اتخاذ قراره بشأن الخطوة المقبلة في إيران، لكنها لا تلتفت أيضًا إلى أنها جاءت على هامش جنازة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، أحد أبرز داعمي إسرائيل. فقد كثرت أخيرًا التقارير الأميركية والإسرائيلية التي تحدثت عن عدم استجابة البيت الأبيض سريعًا لطلبات إسرائيلية بعقد اجتماع مع نتنياهو.
ما الغائب في الاجتماع؟
لم يكن المؤتمر الصحفي المشترك وحده الغائب عن لقاء ترمب ونتنياهو، فقد غابت أيضًا المشاهد التي اعتدنا رؤيتها في اللقاءات السابقة. لم يُبث أي تسجيل مصوّر للاجتماع، واكتفى الجانبان بنشر صور ثابتة، فيما حرص مكتب نتنياهو على اختيار لقطات تعكس أجواء ودية، تُظهره في حالة من الارتياح وهو يضع إحدى رجليه فوق الأخرى إلى جانب ترمب، مع التركيز على الاجتماع الموسع الذي شارك فيه أيضًا نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وعدد من كبار المسؤولين.
اللافت أيضًا أن اللقاء خلا من اجتماع ثنائي مغلق بين ترمب ونتنياهو، رغم اعتيادهما هذه الصيغة في لقاءاتهما السابقة. فقد استمرت المحادثات نحو ثمانين دقيقة، لكنها اقتصرت على الإطار الموسع.
حرص البيت الأبيض هذه المرة على عدم إعطاء انطباع بأن الاجتماع أسفر عن تفاهمات تتجاوز ما أُعلن رسميًا، في وقت لا يزال فيه ملف إيران حاضرًا بقوة وفي لحظة شديدة الحساسية. فتجنّب المؤتمر الصحفي قد يعني عدم السماح لنتنياهو باستفزاز إيران من البيت الأبيض، لكن الاستفزاز جاء من وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس قبل ساعات من اللقاء، بعد كشفه أن طائرات أميركية أقلعت من قواعد عسكرية إسرائيلية لتنفيذ ضربات ضد إيران
عقد ترمب ونتنياهو محادثاتهما بحضور موسع لمسؤولين أميركيين وإسرائيليين، من دون اجتماع ثنائي مغلق بينهما
هل يوجد خلاف بين نتنياهو وترمب؟
رغم غياب المؤتمر الصحفي، لم يفوّت نتنياهو فرصة توجيه رسالة سياسية من واشنطن، إذ نشر مقطعًا مصورًا عقب اللقاء وصف فيه الاجتماع بأنه "من أفضل الاجتماعات التي عقدها مع الرئيس ترمب". وهذا الوصف ليس مجاملة دبلوماسية، وإنما بدا ردًا مباشرًا على التقارير في وسائل الإعلام الإسرائيلية والأميركية التي تحدثت خلال الأسابيع الأخيرة عن فتور في العلاقة بين الرجلين، لا سيما بعد الحرب على إيران.
أشارت تلك التقارير إلى وجود تباينات في تقييم نتائج الحرب وكيفية إدارة المرحلة التالية، كما تحدثت عن استياء داخل الإدارة الأميركية من الطريقة التي تطورت بها الأحداث، والأسلوب الذي أقنع به نتنياهو ترمب بخوض الحرب. ويتصدر هذا التيار نائب الرئيس جي دي فانس.
مع ذلك، يظهر تاريخ العلاقة بين ترمب ونتنياهو أن هذه الخلافات، إن صحّت، لا يمكن عدّها دليلًا على وجود أزمة أو انحسار تأثير نتنياهو. ففي ولاية ترمب الأولى، حصل رئيس الوزراء الإسرائيلي على سلسلة من المكاسب السياسية والاستراتيجية غير المسبوقة، بدءًا من نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، وصولًا إلى اتفاقات التطبيع مع عدد من الدول العربية.
مثّلت تلك الاتفاقات تحولًا عن مبدأ "الأرض مقابل السلام"، الذي تبلور بعد حرب عام 1967، وتبنّيًا لطرح نتنياهو القائم على "السلام مقابل السلام"، والذي تعمّق أخيرًا ليصبح سلامًا من منطلق القوة.
توترت العلاقة بعد خسارة ترمب أمام جو بايدن، إذ انقلب بعدها على نتنياهو وهاجمه وشتمه بعد تهنئته لبايدن، وعدّها خيانة شخصية واتهمه بقلة الولاء. لكن ما إن عاد ترمب إلى البيت الأبيض حتى عاد إلى عادته في منح نتنياهو الهدايا، التي لا تقف عند خوض حرب مشتركة ضد إيران سعى إليها الأخير طويلًا، وإنما تشمل أيضًا ما يتعلق بلبنان وقطاع غزة والدعم العسكري وغيرها من الملفات.
واتُّهم نتنياهو في الصحف الإسرائيلية بأنه لم يعد قادرًا على التأثير في ترمب كما كان في السابق. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بمضي الرئيس الأميركي في مسار إعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات "F-35" رغم الاعتراض الإسرائيلي، والاتفاق الأميركي السعودي بشأن البرنامج النووي المدني، ووقف الضربات على إيران لإفساح المجال أمام التفاوض خلافًا للرغبة الإسرائيلية.
نتنياهو وترمب إلى جانب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي برز اسمه بين المتحفظين على استمرار الحرب من دون أفق واضح
نتائج ستكشفها الأيام
تشكل الفترة المقبلة الاختبار الحقيقي لنتائج زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض. فبعيدًا عن البيانات الرسمية التي تحدثت عن اجتماع مثمر والتصريحات الإيجابية، يظهر أن الهدف الأساسي للزيارة كان محاولة التأثير في الموقف الأميركي وعرض الرؤية الإسرائيلية للخطوات المقبلة ضد إيران، في ظل قناعة إسرائيلية بضرورة خوض حرب طويلة ومستمرة حتى إسقاط النظام الإيراني. ودون ذلك، لن تكتمل المهمة من منظور نتنياهو ووزراء حكومته.
لذلك، سيكون تقييم نتائج الزيارة قائمًا على ما ستفعله واشنطن في الأيام والأسابيع المقبلة. فإذا اختار ترمب المضي قدمًا في الضغط العسكري والانجرار إلى حرب أوسع ضد إيران، فسيكون نتنياهو قد نجح في زيارته. أما إذا فضّل الرئيس الأميركي إعطاء الأولوية للمسار الدبلوماسي وجهود دول الوساطة، فهذا يعني أن الهدف الإسرائيلي من الزيارة قد فشل.