غالبًا ما تنزلق الأحاديث في لبنان نحو السياسة، حتى في أكثر اللقاءات خصوصية. فكيف إذا كان اللقاء على مائدة غداء مع رئيس الحكومة نواف سلام؟
بعيدًا عن الرسميات، بدأ اللقاء بمحاولة لكسر الصورة النمطية للمسؤول اللبناني، وسرعان ما تحوّل إلى مساحة حوار ودي، سمحت لنا بطرح الأسئلة بعفوية المواطن، لا بمنطق الصحافي، وإن بقي الحس الصحافي طاغيًا عند الخوض في النقاشات والملفات الطارئة، فجاءت الإجابات هادئة، صريحة، ومباشرة. بدا سلام مستمعًا أكثر منه متحدثًا، ساعيًا إلى تبديد الشكوك وتفكيك الانطباعات المسبقة حيال أداء الحكومة والعلاقة بين أركان السلطة.
ورغم محاولات إبقاء النقاش خارج الإطار السياسي، أعادت الوقائع نفسها فرض إيقاعها. فالبلاد تعيش مرحلة دقيقة تتداخل فيها التحديات الأمنية والعسكرية مع التعقيدات السياسية والدبلوماسية، فيما تبقى أسئلة كثيرة معلّقة بلا أجوبة حاسمة.
التفاوض كخيار حتمي
في صلب المشهد، يبرز خيار التفاوض كمسار لا مفرّ منه. وهو موقف لبناني رسمي يراه المدخل الوحيد لوقف العدوان المستمر على الجنوب واحتواء الانزلاق نحو مزيد من التدهور. مفاوضات يقودها لبنان بقرار سيادي، مع محاولة واضحة لفصل مساره عن مسارات إقليمية أخرى، وإن ظلّ تأثير التفاهمات الدولية، ولا سيما الأميركية-الإيرانية ومسار إسلام آباد، حاضرًا في الخلفية.
هذه المفاوضات، كما يوضح سلام، لا تعني تطبيعًا، لكنها تندرج في إطار السعي إلى سلام عادل يستند إلى مبادرة السلام العربية التي جرى التأكيد عليها مجددًا في قمة الرياض في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، بحضور إيران.
أهداف التفاوض واضحة: انسحاب إسرائيلي كامل يسمح للدولة ببسط سيادتها على أراضيها، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين، وتحرير الأسرى، واستكمال ترسيم الحدود وحل النزاعات حول عدد من النقاط على طول الخط الأزرق. وهي مفاوضات قد تُجرى تحت النار إذا كان ثمنها وقف إطلاق النار وتفادي مزيد من الخسائر، في تكرار للمفاوضات التي قادها آموس هوكستين، المبعوث الأميركي، خلال العدوان الإسرائيلي في سبتمبر/ أيلول 2024، والتي أفضت إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
بين الداخل والخارج: حصر السلاح ودور الدولة
بالتوازي، لا ينفصل المسار الخارجي عن مسار داخلي موازٍ، من خلال حوار لبناني-لبناني، يتمثل في تعزيز دور المؤسسات الدستورية، والسير بخطة حصر السلاح بيد الدولة، وتنفيذ خطة "درع الوطن" التي وضعها الجيش اللبناني، مع الإقرار بالحاجة إلى تطويرها بما يتلاءم مع المستجدات. قرارات تُنفّذ تدريجيًا، وفق ما يؤكد رئيس الحكومة، وصولًا إلى تثبيت سلطة الدولة بشكل كامل.
أما الجدل حول لقاء محتمل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، فيحسمه رئيس الحكومة باعتباره سابقًا لأوانه، إذ إن أي اجتماع رفيع المستوى يحتاج إلى تحضير. ويضيف سلام أن أي لقاء من هذا النوع يرتبط بتوقيت دقيق ونتائج ملموسة في المفاوضات تضمن مصلحة لبنان.
وفي مواجهة الانتقادات التي ترى أن لبنان يفاوض من موقع ضعف، يردّ سلام بأن قوة لبنان تكمن في شرعية مطالبه، وفي الدعم العربي والدولي، إضافة إلى تعاطف الرأي العام العالمي. الهدف الآني يبقى تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الخروقات، وهو ما يشكّل أولوية في أي مسار تفاوضي مقبل.
ومع اقتراب استحقاق انتهاء مهلة قوات اليونيفيل، يطرح لبنان البحث في صيغة دولية بديلة أو مطوّرة، تضمن المراقبة والتنسيق والتوثيق، بالتوازي مع تفعيل آليات لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية، بما يحفظ مصلحة البلاد واستقرارها.