تُظهر التجارب المتكرّرة في تعامل إسرائيل مع اتفاقات وقف إطلاق النار، في لبنان كما في غزة، أنّ هذه الاتفاقات لا تعني بالضرورة نهاية كاملة للعمليات العسكرية، بل تشير أحيانًا إلى تحوّلٍ في نمطها أو انتقالٍ إلى مستوى حربيٍّ مخادع، يكون فيه الطرف الآخر عاجزًا ومستسلمًا تمامًا وهو يتلقى الضربات الانتقامية على رأسه.
فالهدنة بالنسبة إلى إسرائيل ليست غاية سياسية أو إنسانية، بل مرحلة تكتيكية ضمن استراتيجية أوسع تُعرف بـ"الردع" أو "العقاب المستمر بعد التهدئة"، بما تحمله من رسائل تحذيرية إلى باقي خصومها في المنطقة، سواء كانوا كياناتٍ أو جماعاتٍ أو دولًا.
ملامح النموذج اللبناني
في لبنان، ورغم إعلان وقف إطلاق النار، واصلت إسرائيل عمليات القصف وتوغّل جنودها في عمق الجنوب لتنفيذ تفجيرات وعمليات ميدانية تحت ذرائع أمنية، كان كثيرٌ منها انتقاميًا هدفه تدمير البنية التحتية المدنية وإلحاق أقصى ضرر ممكن بالاقتصاد اللبناني، ما حوّل الاتفاق إلى هدنة شكلية أو وقف إطلاق نار منقوص.
الهدف من هذا النمط لم يكن تحقيق الأمن، بل تثبيت صورة "الردع الإسرائيلي" في الذاكرة الجماعية العربية، وإرسال رسالة تحذيرية إلى باقي الأطراف العربية مفادها: حتى إن استسلمتَ أو قبلتَ الهدنة، ستبقى تحت القصف والتهديد.
بهذا المعنى، تحوّل لبنان إلى نموذجٍ تحذيريٍّ في العقيدة العسكرية الإسرائيلية الحديثة، لردع أي طرفٍ يفكر في مواجهةٍ مستقبلية مع إسرائيل.
مؤشرات تكرار النموذج في غزة
في الحالة اللبنانية، لعبت الأمم المتحدة ودول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا دورًا في تثبيت اتفاق الهدنة، إلا أنّ ذلك لم يمنع إسرائيل من مواصلة عملياتها الميدانية التي طالت أحيانًا حتى قوات الدول الضامنة للاتفاق.
أما في غزة، فيغيب هذا الدور الدولي تمامًا، إذ لا تملك الأمم المتحدة آليات تنفيذ فعّالة، ولا مجلس الأمن قادرًا على المحاسبة والردع بسبب الفيتو الأميركي.
في المقابل، تُقدَّم الولايات المتحدة كأبرز ضامنٍ لاتفاق إنهاء العدوان، لكن حتى الآن لا تتضح الأطر الإجرائية أو الميدانية لمراقبة تنفيذه على الأرض، خصوصًا في ظلّ ميل واشنطن المتكرّر إلى تبنّي الرواية الإسرائيلية عند وقوع الخروقات.
أميركا الضامن الأكبر متهم بالانحياز
هذا الغياب شبه الكامل للضمانات الدولية يجعل وقف النار في غزة أقرب إلى تفاهمٍ سياسيٍّ هشّ، لا إلى اتفاقٍ قانونيٍّ قابلٍ للرقابة أو المساءلة.
وفي الوقت نفسه، يدفع الخطاب السياسي الإسرائيلي المتشدّد باتجاه مواصلة الحرب، معتبرًا الهدنة وسيلةً لإعادة التموضع لا لإنهاء العمليات. كما يُظهر استمرار الحصار والتحكم بالمنافذ نيةً إسرائيلية واضحة للإبقاء على الضغط العسكري والاقتصادي حتى بعد التهدئة.
وتأتي التصريحات المتكرّرة عن "الحق في استهداف أي تهديد" كتعبيرٍ جاهز لاستمرار القصف داخل ما يُفترض أنه مرحلة ما بعد الحرب، ما يثير تساؤلاتٍ جدّية حول جدوى أي اتفاقٍ لا ترافقه رقابة دولية وضماناتٌ حقيقية ومحاسبة فعليّة.