لم يُفلِح قرار الرئاسة اللبنانية تعيين شخصية مدنية لقيادة وفد لبنان في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية في تبديد الغيوم الداكنة التي تراكمت فوق المشهد الحدودي.
فالخطوة التي استقبلها الداخل والخارج بكثير من الترحيب، سرعان ما قابلتها إسرائيل خلال أربعٍ وعشرين ساعة بسلسلة غارات وإنذارات استهدفت أربع بلدات جنوبية، قبل أن تعود مقاتلاتها، وبعد أقل من أسبوع، إلى قصف بلدات إضافية جنوب الليطاني وشماله، في مؤشر واضح إلى أن إسرائيل تنتهج سياسة "رفع الحرارة" الأمنية قبل أي مسار تفاوضي محتمل.
غير أنّ التطور الأخطر لم يكن في وتيرة الغارات، بل في عمليات التوغّل البرّي المتزامنة التي نفّذتها القوات الإسرائيلية في ثلاث بلدات حدودية: عيتا الشعب، العديسة، والخيام. وقد أتت هذه التوغلات بفارق ساعات قليلة، ما يعكس طابعًا مدروسًا في التوقيت والتنفيذ، ويضعها في خانة الرسائل الميدانية المركّبة.
تصعيد ميداني بعد خطوة التعيين المدني
في مشهد لافت، دخلت آليات إسرائيلية محمّلة بعشرات الجنود إلى وسط بلدة العديسة، في ساحة تُعدّ رمزًا للوجود الأهلي في الجنوب، حيث ترجّل الجنود نحو أحد المباني المتصدّعة وفخّخوه ثم فجّروه.
وتزامن ذلك مع عملية مشابهة في الخيام، انطلقت من الموقع العسكري المستحدَث في تلة الحمامص داخل الأراضي اللبنانية، فيما شهدت عيتا الشعب دخول دبابات إسرائيلية إلى تخوم البلدة، في مشهدٍ يعكس سياسة ضغط مزدوج: عسكري ونفسي في آنٍ معًا.
-
الخطر العسكري: "اختبار أرض" قبل عملية أوسع
تشير مصادر دبلوماسية غربية، في تصريحات خاصة لموقع التلفزيون العربي، إلى أن هذه العمليات قد تكون بمثابة “اختبار أرض” وتمهيد لعملية برّية أوسع لوّحت بها إسرائيل مرارًا، قد تمتدّ وفق التقديرات إلى عمق عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وهذا النمط من التوغلات الصغيرة والمتكررة يُقرأ غالبًا كعمليات جسّ نبض لردود الفعل، سواء من جانب حزب الله أو من جانب الدولة اللبنانية والقوات الدولية المنتشرة في المنطقة.
-
الخطر السكاني والنفسي: نحو "منطقة عازلة" غير معلنة
تحاول إسرائيل، وفق بعض القراءات اللبنانية، دفع من تبقّى من سكان الشريط الحدودي إلى النزوح مجددًا، لفرض أمر واقع في ما يشبه منطقة عازلة غير معلنة تمتدّ على 24 بلدة حدودية، من الناقورة غربًا حتى الوزاني وشبعا وكفرشوبا شرقًا، بطول يقارب 110 كيلومترات.
تبدّل في أدوات التصعيد وضمانات أميركية موضع تشكيك
هكذا، ومع تراجع عمليات الاغتيال التي نفّذتها إسرائيل في الأيام الماضية، اتجهت تل أبيب إلى تكثيف عمليات التوغّل، في وقت لا يبدو أن مساعي خفض التصعيد آتية بنتائج ملموسة، رغم الضمانات الأميركية التي قُدّمت لبيروت بعدم التصعيد إلى ما قبل نهاية العام. غير أنّ التجربة اللبنانية الطويلة مع "الضمانات الأميركية" تجعل هذه التطمينات أقرب إلى رهان ضعيف منها إلى ضمان حقيقي، لتظل حالة الارتياب سيدة الموقف.
وفي السياق نفسه، تكشف مصادر دبلوماسية عربية وغربية لموقع التلفزيون العربي أن التصعيد قائم لا محالة، وأن بعثات أجنبية تلقت تحذيرات أميركية من “مرحلة تصعيدية محسوبة” لا ترقى في بدايتها إلى مستوى الحرب الشاملة، يُرجَّح أن يشهدها الجنوب خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة من الشهر الحالي، والأسبوعين الأولين من يناير/ كانون الثاني المقبل. فالمطلوب إسرائيليًا واحد لا يتغيّر: "سحب سلاح حزب الله، وتنفيذ الحكومة اللبنانية ما تعهّدت به، وإلاّ فإن إسرائيل، كما تنقل واشنطن وتل أبيب، ستتولّى المهمة بنفسها".
تناقض المسارات بين مقاربتي بيروت وتل أبيب
في مقابل الخطوة اللبنانية بتعيين مدني في لجنة “الميكانيزم”، في إشارة إلى استعداد لانطلاق مفاوضات ذات طابع أمني، جاء موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليقطع الطريق مبكرًا، معلنًا أن التفاوض سيكون “اقتصاديًا” فقط. هكذا برز تناقض واضح بين مقاربة بيروت التي تحاول التركيز على البعد الأمني وترتيبات وقف الأعمال العدائية، ومقاربة تل أبيب التي تحصر النقاش في الملف الاقتصادي، ما يوحي بأن الخطوة اللبنانية، رغم رمزيتها وأثرها السياسي الداخلي، قد تؤجّل التصعيد لكنها لا تبدو قادرة على إلغائه.
وفي هذا السياق، يؤكد أحد كبار المستشارين في الدولة اللبنانية لموقع التلفزيون العربي أنّ الأمور تتجه نحو مزيد من التعقيد، فإسرائيل لا ترى في أي خطوة لبنانية، مهما جاءت منسجمة مع اتفاق وقف الأعمال العدائية ومع مطالب واشنطن، ما يلبي شروطها. يأتي ذلك رغم أن الجيش اللبناني شارف على إنهاء عملية جمع السلاح جنوب الليطاني، فيما تستكمل الحكومة خطتها في باقي المناطق مطلع العام المقبل.
ويضيف المصدر أنّ الخيارات اللبنانية باتت محدودة، محصورة بالمسارين السياسي والأمني، وكلاهما يصطدم بالعقبة الإسرائيلية نفسها: تعنّت ثابت حيال ملف سلاح حزب الله، وعدم استعداد للقبول بأي صيغة تُبقي هذا السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة.
السلاح في قلب الحراك الدبلوماسي
دبلوماسيًا، يكشف مصدر لبناني أنّ إسرائيل أبلغت واشنطن بوضوح أن بدء مسار تفاوضي، إن حصل، لا يعني وقف العمليات العسكرية، بل إن وقف الاعتداءات لن يتمّ إلا إذا لمست تل أبيب خطوات عملية في ملف سلاح حزب الله. وتفيد المعلومات بأن واشنطن حذّرت بيروت من أن إسرائيل ستُقدِم على تصعيد أكبر فور انتهاء مهلة نهاية العام، إذا لم تُسجَّل تطورات ملموسة على هذا الصعيد.
وفي موازاة ذلك، تكشف مصادر دبلوماسية لموقع التلفزيون العربي أن الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان تناول مع المسؤولين اللبنانيين مسألة البحث في آلية للتأكد من "حصر السلاح بيد الدولة"، على أن يُستكمل النقاش في هذا البند خلال زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى باريس في الثامن عشر من الشهر الحالي. ويبقى مصير مؤتمر دعم الجيش الذي كان مقررًا الشهر الماضي معلّقًا على هذا الملف تحديدًا، بعدما تحوّل شرطًا أساسيًا لدى الأطراف الدولية المعنية.
تفاوض هشّ فوق أرض رخوة
في المحصلة، تدلّ مجمل المعطيات الأمنية والدبلوماسية على أن لبنان يقف عند عتبة مرحلة شديدة الحساسية. ففيما تستخدم إسرائيل تعدّد الجبهات السياسية والعسكرية والسكانية لإجبار لبنان على تقديم تنازلات حاسمة في ملف سلاح حزب الله، يعوّل لبنان على مسار تفاوضي لا يحظى حتى الآن بقبول إسرائيلي فعلي.
وفي وقت تشير معظم المؤشرات إلى أنّ الهدوء الهشّ الذي يعيشه الجنوب لن يطول، ينبّه مطّلعون على الموقف الإسرائيلي إلى أنّ أيّ تصعيد مقبل، إن وقع، سيكون من الأعنف على لبنان منذ سنوات، وقد يشكّل نقطة تحوّل في طبيعة الاشتباك بين الطرفين وفي مستقبل التفاوض غير المضمون الذي يسير عليه البلد راهنًا.