الإثنين 8 مارس / March 2021

"كلوب هاوس" وشهوة الكلام

"كلوب هاوس" وشهوة الكلام
الخميس 18 شباط 2021
لقد شرعنت وسائل التواصل الاجتماعي الشعبوية ومأسستْها. ولا يشذ نادينا الجديد عن ذلك. لقد أخذنا بعيداً، أخذنا إلى شهوة الكلام.

بسرعة ملحوظة ينمو المولود الاجتماعي الجديد "كلوب هاوس". سرعة تدفعك للاعتقاد أن ما تجده راهناً ليس إلا البداية. لقد خطف الأنظار، حتى صار حديث بقية المنصات، لوماً وحثاً للمتأخرين على الانخراط في هذه الموضة الجديدة.

لا شك أن للتطبيق الجديد مميزاته الساحرة لكثيرين. بسهولة تجد فيه من تريد أن تسمع منه، أو عنه، كما من تريد أن يسمع لك وعنك. وهذا موضوع استفاض فيه من سبقني من الأصدقاء والزملاء في الحديث عن النادي الجديد. وهو فعلاً نادٍ يجمع على طاولته من يتلاقون على الاهتمام المشترك في موضوعات محددة. وفيه من المرونة ما قد يجعله أنديةً في نادٍ. لكن ما استوقفني فيه ليس نجاحه السريع أو المتوقع فقط، وإنما مجموعة من الخصال يتقدمها كيف استطاع أن ينتزع الرغبة في الكلام من جمعٍ، قالوا أو كتبوا أنهم لا يحبون الكلام المسال عادة، وأنهم يؤثرون الكتابة المنضبطة في وسائل التواصل الاجتماعي على الحديث الشفوي، بل ذهبوا أبعد من ذلك حين أشاروا إلى أنهم مُقلّون في حديث الهواتف، وأنهم يرجون من المتصل أن يكون مباشراً بعيداً عن المجاملات المملّة والمزيفة حين يهاتفهم.

نحن إذاً، أمام ظاهرة تعيد الاعتبار للكلام. للكلام المنطوق، وللارتجال والتعليق، للكاريزما و"العراضة". وتتيحه للعموم حتى لو قيّدته بنخبوية الدعوة التي يشترطها التطبيق لدخولك إلى ناديه. والكلام المرسل فيه الكثير من العفوية والانفعال، وهو وإن يكن أبرز وسائل الاتصال البشري وأسهلها، إلا أنه لطالما بقي محطّ حذر ونقد العقلاء. فأبرز عدو للإنسان هو لسانه، على ما شاع في كتب الأولين، وحكمهم.

لا يغري الكلام حين يكون بين اثنين. يغري حين يكون أمام جمهور. ويصبح أكثر إغراءً حين يكون مبارزة. فالبشر مولعون بالنصر والانتصارات. ومن أسهل الانتصارات، الانتصارات الكلامية.

تعرضت الكتابة لتحدٍ كبير مع الجيل الأول من وسائل التواصل الاجتماعي. كان عليها أن تقتضب، وتُعنى عناية بالغة برشاقتها، أو حدّة مضمونها، لتتناسب مع وقت المتصفح ومزاجه، الذي لا يحتمل أكثر من أسطر قليلة، تكون مشمولة عادة بوسائل توضيحية تقدمها صورة ما، أو "إيموجي". واليوم تتعرض لتحدٍ ثانٍ هو إغراء الكلام المتاح دوماً من دون أي جهد. من لا يغريه الحديث في السيارة؟! أو قبل النوم؟! أو حتى في أوقات العمل ليخفف من ثقل اللحظة عليه؟! ومن لا يغريه شيوع حضوره بين الناس قولاً وصورةً وكتابةً بجهد يسير تتيحه وسامته، أو خفة دمه، أو جرأته أو حتى ربما وقاحته؟! ما تفعله السوشيال ميديا أنها تقدم هذا الإغراء يومياً. سهلت لنا كل شيء. سهلت الفكرة، وسهلت النجومية، وسهلت التأثير. وسهلت "النخبوية". في السوشيال ميديا، اشتم؛ تصبح نجماً. كن عنصرياً تَصرْ بطلاً. تهكّم، تطاول، تجاوز، تقفز سريعاً إلى المراتب العليا. لقد شرعنت وسائل التواصل الاجتماعي الشعبوية ومأسستْها. لا يشذ نادينا الجديد عن ذلك. لقد أخذنا بعيداً. أخذنا إلى شهوة الكلام. وتعارض مع كل السالف من القول عن مخاطر الكلام ومنزلقاته. نادينا هذا، يحثنا على الكلام، يحرضنا عليه. ودعكم من زيف فضيلة الاستماع. هذه خدعة. في أحسن الأحوال، وهمٌ. فمن يدخل مستمعاً في أي غرفة من غرفه، يسمع ليتكلم. لكي يقول ما يريد أن يقوله. يتحيّن الفرصة فقط. والفرصة مع "بيت النادي" صارت متاحة، وأمام جمع مغرٍ من الناس.

لا يغري الكلام حين يكون بين اثنين. أصلا لا يدوم كثيراً. يغري حين يكون أمام جمهور. ويصبح أكثر إغراءً حين يكون مبارزة. فالبشر، سيما في بلادنا، مولعون بالنصر والانتصارات. ومن أسهل الانتصارات، الانتصارات الكلامية. بطولات منجزة، سريعة، إذ لا شيء يمكن أن يدغدغ "الإيغو" مثل انتصار ولو في فضاء افتراضي.

ولـ"كلوب هاوس" ميّزة نادرة بين أمثاله. لا توثيق فيه. تقول قولك وتمشي، قد تجبّه في غرفة أخرى، أو في وقت آخر. كأنه متحرّر من أي مسؤولية. أتاح الاستعراض وأباحه. قل ما شئت، فالحكم مقيّد في غرفتك وفي من هم معك. ولكل غرفة تاريخها وحكمها ووقتها.

أحسَنَ "بيت النادي" مخاطبة الغرائز إذاً، لكن نجاحه ليس في هذا وحسب، بل في قدرته على أن يغلّف ذلك في قالب جميل، يبدو نخبوياً طاهراً من أي دنس نرجسي أو شعبوي. فهو للنخبة، لا تدخله إلا بدعوة، ولا تشارك إلا بدعوة، ولا تتحدث إلا بدعوة.

وعلى الهامش؛ لنادينا الجديد أعراض جانبية متصلة بالوقت. لم يسرق "كلوب هاوس" الأنظار فقط. لقد سرق الوقت أيضاً. أدخل إليه سترى الأصدقاء أنفسهم. الولاء في هذا التطبيق عالٍ. وإن استعجلنا الحكم، فهو من النوع الذي لا يقبل الشراكة بسهولة، ولا يستبعد أن يحرف الناشطين فيه عن تطبيقات أخرى. فضلاً عن أنه لا يرضى بالقليل. فلا يصحّ معه أن تدخل لدقائق وتخرج. إنه من تركيبة مختلفة عن أقرانه من وسائل التواصل. من تركيبة تحتاج إلى وقت أطول. ففي المكتوب من وسائل التواصل كـ"تويتر" و"فايسبوك"، تستطيع أن تقرأ فكرة القائل في ثوان، أو دقائق على أبعد تقدير. هنا في "بيت النادي" تحتاج إلى دقائق كي تألف الغرفة ومن فيها.

صحيح أن بهجة الجديد تبرد، مع الزمن. لكن يبقى أنه من طبيعة خاصة. طبيعة احتكارية في الشكل، وطبيعة مركّبة في المضمون، تضيّق المسافة بين النخبوي والشعبوي، إلى حد يمكن أن تلتقي بأمراض الاثنين معاً في تطبيق واحد، بل حتى في غرفة واحدة من هذا التطبيق.

وكما الاستعراض في الحياة اليومية، تنمو ظاهرة الاستعراض في حياة الهواتف الذكية. ومن تفحّص سيارتك أو ساعتك أو ربطة عنقك أو محفظتك إلى استعراض عدد متابعيك ومناكفيك ومريديك، وربما يضاف إليهم غرفك وموضوعاتك، ومع الوقت، تطبيقاتك.

يقول دوركهايم إن أبرز مميّزات الظاهرة الاجتماعية هي ضغطها على الأفراد. وظاهرة وسائل التواصل الاجتماعي لا تشذ عن ذلك. إمّا أن تنخرط في هذه المساحة أو أنت خارج العصر. هكذا يصير نادينا الجديد شراً لا بد منه. شرٌّ يدفعك إلى أن تتعرف على الناس، وتشركهم أفراحك وأتراحك، لكنه في الصميم يحاكي الـ"أنا" فهو هنا جزء منك، صوتك، نبرتك، انفعالك.

المصادر:
التلفزيون العربي

شارك القصة

ثقافة - قطر
منذ 15 ساعات
قطر 2
تضم قطر مقومات حضارية ومعالم تعكس الطابع الإسلامي (موقع الدوحة عاصمة الثقافة الإسلامية للعام 2021)
شارك
Share

وقع اختيار "إيسيسكو" على الدوحة نظرًا لعراقة تاريخها وإرثها، حيث تضم قطر مقومات حضارية ومعالم تعكس الطابع الإسلامي.

ثقافة - سوريا البرامج - شبابيك
منذ 21 ساعات
شارك
Share

يركّز الفنان السوري في لوحاته على معاناة الأطفال والنساء خلال رحلة الهروب من الموت، وفي حياة المخيمات، ويحاكي آلام اللاجئين التي بدأت منذ سنوات وما زالت مستمرة.

Close