Skip to main content

"خطة احتيال منظمة".. القصّة الكاملة لانهيار لبنان الماليّ

الخميس 17 يونيو 2021
اندلعت في أكتوبر 2019 احتجاجات حاشدة بقيادة شباب محبطين يطالبون بتغيير شامل ضد النخبة السياسية

يواجه لبنان أزمة اقتصادية عميقة بعد أن عملت حكومات متعاقبة على تراكم الديون في أعقاب الحرب الأهلية (1975-1990)، دون أن يكون لديها ما تستند إليه مقابل انغماسها في الإنفاق.

وتُعاني المصارف، التي تُعد محورية للاقتصاد القائم على الخدمات، من حالة من الشلل. وقد حالت البنوك بين أصحاب المدّخرات وحساباتهم الدولارية أو أبلغتهم أن قيمة الأموال التي يمكنهم الحصول عليها انخفضت. وانهارت العملة اللبنانية مما زجّ بقطاعات من السكان في براثن الفقر.

كيف ساءت الأمور؟

قصة انهيار لبنان المالي منذ 2019 هي قصة تعثر رؤية لإعادة بناء دولة كانت تُعرف في وقت من الأوقات بأنها "سويسرا الشرق"؛ بفعل الفساد وسوء الإدارة، إذ أقبلت النخبة الطائفية على الاقتراض دون ضوابط تذكر.

ففي وسط بيروت الذي سُوي بالأرض في الحرب الأهلية، ارتفعت ناطحات سحاب بناها مهندسون عالميون، وامتلأت المراكز التجارية الفاخرة بأسماء تجارية لامعة، وكانت المتاجر تقبل الدفع بالدولار.

غير أن لبنان لم يكن لديه شيء يُذكر بخلاف ذلك، مقابل جبل الديون الذي كبر ليعادل 150% من الناتج الوطني، فيما يمثل واحدًا من أعلى أعباء الدين في العالم. وأصبحت محطات توليد الكهرباء عاجزة عن توفير احتياجات البلاد، بينما كانت صادرات لبنان الوحيدة التي يعتمد عليها هي رأس المال البشري.

كيف اقترض لبنان هذا القدر من المال؟

وصف بعض الاقتصاديين النظام المالي في لبنان بأنه خطة احتيال منظمة على الصعيد الوطني مثل سلسلة بونزي الهرمية، التي يتم فيها اقتراض المال لسداد أموال دائنين سابقين. وتفلح الخطة إلى أن تنفد الأموال الجديدة. لكن كيف وصل لبنان الذي يبلغ عدد سكانه ستة ملايين نسمة إلى هذا الوضع؟

بعد الحرب الأهلية عمل لبنان على موازنة دفاتره بإيرادات السياحة والمساعدات الخارجية وأرباح القطاع المالي وسخاء دول الخليج العربية، التي موّلت الدولة من خلال تدعيم احتياطيات المصرف المركزي.

غير أن واحدًا من أكثر مصادر الدولارات التي يعتمد عليها كان تحويلات ملايين اللبنانيين، الذي سافروا للخارج بحثًا عن عمل. وحتى خلال الانهيار المالي العالمي عام 2008 كان اللبنانيون يحوّلون الأموال إلى بلادهم.

غير أن التحويلات بدأت تتباطأ بدءًا من 2011، عندما أدت الخلافات الطائفية في لبنان إلى مزيد من التعثر السياسي، وهوى قطاع كبير من الشرق الأوسط بما فيه سوريا المجاورة في حالة من الفوضى.

وأدارت دول الخليج ظهرها مع تزايد نفوذ إيران في لبنان عن طريق جماعة حزب الله المسلحة، التي تزايد نفوذها السياسي.

وسجّل العجز في الميزانية ارتفاعًا كبيرًا وازداد العجز في ميزان المدفوعات، بينما فشلت التحويلات في مجاراة واردات تشمل كل شيء، من المواد الغذائية الأساسية إلى السيارات الفارهة.

واستمر ذلك حتى عام 2016 عندما بدأت البنوك في عرض أسعار فائدة كبيرة على الودائع الجديدة بالدولار، الذي أصبح عملة مقبولة رسميًا في اقتصاد مدولر، وعرض أسعار فائدة أعلى بصورة غير عادية على الودائع بالليرة اللبنانية.

وفي بقية أنحاء العالم كان أصحاب المدخرات يحصلون على عوائد بسيطة.

وفي ضوء ربط العملة اللبنانية بالدولار بسعر 1500 ليرة لأكثر من عقدين وإمكانية تغييرها بحرية من أي بنك أو من محصل في سوبرماركت؛ لم تكن هناك أي خسارة.

وتدفقت الدولارات من جديد وأمكن للبنوك أن تستمر في تمويل انغماسها في الإنفاق.

كيف استطاعت البنوك أن تعرض هذه العوائد المرتفعة؟

كان لبنان لا يزال يعاني خللًا وظيفيًا في الحياة السياسية، إذ تركه التناحر دون رئيس معظم الوقت خلال عام 2016.

لكن مصرف لبنان المركزي، الذي يقوده منذ 1993 المصرفي السابق في ميريل لينش رياض سلامة، استحدث عمليات "هندسة مالية" وهي مجموعة من الآليات التي وصلت إلى عرض عوائد سخية على البنوك مقابل الدولارات الجديدة.

وانعكس تحسّن تدفقات الدولار على زيادة الاحتياطيات الأجنبية. لكن أمرًا كان أقل وضوحًا، وأصبح الآن نقطة مثيرة للجدل، هو زيادة الالتزامات. فبحسب بعض الروايات، فإن ما يدين به المصرف المركزي يمحو أصوله وأكثر، لذا قد يكون متكبدًا لخسائر كبيرة.

في الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة خدمة ديون لبنان إلى حوالي ثلث النفقات بالميزانية أو أكثر.

ما الذي أشعل فتيل الانهيار؟

عندما احتاج البلد لكبح الإنفاق، أنفق السياسيون بإسراف على زيادة أجور العاملين بالقطاع العام قبل انتخابات 2018. وأدى إخفاق الحكومة في تنفيذ إصلاحات إلى إحجام المانحين الأجانب عن تقديم مساعدات بمليارات الدولارات كانوا قد وعدوا بها.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2019، اندلعت الشرارة الأخيرة التي أشعلت الاضطرابات في البلاد؛ وهي خطة لفرض ضرائب على المكالمات الصوتية عبر تطبيق واتساب. 

وفي ظل عيش عدد كبير من اللبنانيين في الخارج ونظام الضريبة المنخفضة الملتوي لصالح الأغنياء، كان فرض ضريبة على الوسيلة التي استخدمها كثير من اللبنانيين للبقاء على تواصل مع أقاربهم أمرًا كارثيًا.

واندلعت احتجاجات حاشدة، بقيادة شباب محبطين يطالبون بتغيير شامل، ضد النخبة السياسية، وكثير من أفرادها أمراء حرب كبار في السن عاشوا في رخاء وازدهار فيما تكبد الآخرون الصعاب.

وجفت تدفقات النقد الأجنبي الداخلة، وخرج الدولار من لبنان. ولم يعد لدى البنوك ما يكفي من الدولارات للدفع للمودعين المصطفين خارجها، فأغلقت أبوابها.

وانهارت العملة، إذ تراجعت من 1500 مقابل الدولار إلى نحو 15 ألفًا في السوق السوداء في يونيو/ حزيران هذا العام.

ومما فاقم من المشكلات، الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب الماضي، والذي أودى بحياة نحو 190 شخصًا وسبّب خسائر بمليارات الدولارات.

ماذا يحدث الآن؟

تقود فرنسا جهودًا دولية لدفع لبنان لمكافحة الفساد وتنفيذ إصلاحات أخرى يطلبها المانحون. ويحتاج لبنان بشدة إلى تشكيل حكومة جديدة حتى يتمكن من استئناف المحادثات المتوقفة مع صندوق النقد الدولي.

لكن يتعين على السياسيين والمصرفيين الاتفاق على حجم الخسائر الكبيرة والأخطاء التي حدثت، حتى يتمكن لبنان من تغيير المسار والتوقف عن الإنفاق والعيش بما يفوق قدرته على السداد.

المصادر:
رويترز
شارك القصة