الأربعاء 28 Sep / September 2022

مذكرات ونستون تشرشل.. هكذا رسم خارطة الشرق الأوسط

مذكرات ونستون تشرشل.. هكذا رسم خارطة الشرق الأوسط

Changed

يعرض برنامج "مذكّرات" لدور ونستون تشرشل في رسم خارطة الشرق الأوسط (الصورة: غيتي)
كان لرئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل دور حاسم في رسم خارطة الشرق الأوسط وصياغة المصير السياسي لشعوب المنطقة.

كان لرئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل دور حاسم في رسم خارطة الشرق الأوسط، وصياغة المصير السياسي لشعوب المنطقة، وذلك من خلال قناعته بأن في السياسة الناجحة يجب دائمًا تقسيم القوى المحلية بما يناسب الطموحات، والحفاظ على بعض الأصدقاء والخصوم في آن واحد. ولطالما كان هذا ما فعلته الإمبراطورية البريطانية طوال تاريخها الاستعماري.      

في صيف عام 1914، كانت الحرب العالمية الأولى تلقي بظلالها على العالم، وعلى منطقة الشرق الأوسط التي كانت حينها تابعة لسيطرة الإمبراطورية العثمانية. خلال تلك الفترة، حاول الحلفاء بقيادة بريطانيا وفرنسا كسب ود العرب بهدف مشاركتهم في القتال ضد الأتراك.

وكان ونستون تشرشل، حينها، وزيرًا للبحرية البريطانية، وكانت خطته هي توجيه ضربة حاسمة للأتراك لدفعهم إلى الخروج من الحرب، وإضعاف قوة ألمانيا.

ويومها قال: "إذا ما حاولنا استرضاء تركيا، فإننا نحكم على سياستنا في البلقان بالفشل، وأرى أن نبادر في الهجوم على تركيا، وذلك بعد الاتفاق مع دول البلقان، وخاصة بلغاريا. لا يتوجب علينا عندها أخذ مصلحة تركيا ووحدة أراضيها بعين الاعتبار".

كانت خطة تشرشل، حينها، هي الإبحار عبر مضيق الدردنيل بهدف السيطرة عليه. وبالفعل، هبطت قوات التحالف على غاليبولي في أبريل/ نيسان 1915.

لكن الجيش العثماني استطاع صد هجوم قوات التحالف، وألحق بهم خسائر فادحة، مما دفع القادة العسكريين إلى إيقاف الحملة، وهو ما رفضه تشرشل الذي أصرّ أن تستمرّ الحملة، وكان يرى أن نفاد الذخيرة لدى الجيش العثماني يعني أن الطريق أصبحت سالكة نحو القسطنطينية.

إلا أن القرار العسكري كان إيقاف الحملة، وأُجبر تشرشل، حينها، على الاستقالة من منصبه، وظل يقول إن خسارة هذه الحرب ظلت تسبّب له العذاب طيلة حياته.

تشرشل
أُجبر تشرشل على الاستقالة من منصب وزير البحرية البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى- غيتي

وقال آلن باكوود، مدير مركز أرشيف تشرشل: "شكّل ذلك ضربة موجعة لتشرشل. قبل هذه اللحظة، كان لديه ذلك المنصب الرفيع المذهل. وكانت هذه أول انتكاسة حقيقية أدت إلى عزله كرئيس لهيئة أركان البحرية البريطانية من قبل رئيس الوزراء في حينه، أسكويث، وفي نهاية المطاف، أدت إلى تركه الحكومة البريطانية، والذهاب للخدمة في الخنادق على الجبهة الغربية لما يقارب الأشهر الستة، وبدا بهذه الحركة كما لو أن حياته السياسية قد انتهت".

ورغم انتصار بريطانيا في هذه الحرب، وامتداد نفوذها إلى مناطق جديدة، فقد كانت تكلفة هذه الحرب باهظة، مكبدة البريطانيين آلاف الضحايا، وأضعفت مواردهم المالية، بالإضافة إلى نمو مشاعر القومية في المستعمرات الجديدة والقديمة.

تشرشل وزيرًا للمستعمرات

من ضمن هذه المستعمرات الجديدة، فلسطين، وشرق الأردن، والعراق. وللخروج من هذه الأزمة، قامت الحكومة البريطانية عام 1921، بتعيين ونستون تشرشل وزيرًا للمستعمرات ليكون مسؤولًا عن تخفيض تكلفة احتلال الشرق الأوسط، ولأسباب أخرى، كانت أكثرها خصوصية تتعلق بمعرفة تشرشل الواسعة بعادات وطباع سكان تلك المنطقة، وذلك من خلال مشاركته كمراسل حربي في الحملة العسكرية الإنكلومصرية ضد ثورة المهدية في السودان عام 1898، التي كتب عنها تشرشل كتابًا بمجلدين كبيرين باسم "حرب النهر"، نقل فيها أولى انطباعاته ومشاهداته حول العرب والمسلمين في ذلك الوقت.

وقال وورن دوكتور، مؤلف كتاب تشرشل والعالم الإسلامي: "كان تشرشل مراسل حرب لصحيفة دايلي بايير. وأرسل في تقاريره الصحافية مواضيع مثيرة للاهتمام حول تجاربه في هذه الرحلة الاستكشافية. لكن تقاريره الصحافية لم تكن تشبه تقارير مراسلي الحرب الآخرين إلى حد كبير. فهي لم تتصف بنوع من الاستشراق والعنصرية التي تتوقعها. أعتقد أنه من المهم أن نذكر أيضًا أن في كتابه حرب النهر، هناك اقتباس سيء السمعة حول آراء تشرشل عن المسلمين، إذ يتحدث عن مدى فظاعة الإسلام، وغالبًا ما يتمّ استخراج هذا الاقتباس من سياقه، ليتمّ تسييسه كما حصل خلال غزو العراق بداية الألفية الثانية".

وأضاف: "لكن تشرشل لا يتحدث عن جميع المسلمين، إذ سبق وقاتل مع المسلمين في الهند. إنه يتحدث عن مجموعة محددة من المسلمين؛ عن الدراويش".

انتفاضة العراق 1920

كان على تشرشل مهمة إعادة ترتيب أوراق الشرق الأوسط، بما يناسب الوضع السياسي الجديد في المنطقة، خصوصًا في ظل توتر الأوضاع في العراق بعد اندلاع انتفاضة شعبية عام 1920، تطالب برحيل الاستعمار البريطاني.

طالب تشرشل حينها، في رسالة أرسلها إلى قائد سلاح الجو البريطاني السير هيو ترنشاد، استخدام الغاز السام، لقمع تلك الاحتجاجات، وذلك قبل تسلّمه وزارة المستعمرات.

وكتب تشرشل: "أعتقد أن عليك مواصلة التجارب الخاصة بقنابل الغاز، وخاصة غاز الخردل الذي يمكننا من خلاله، معاقبة المتمردين من السكان الأصليين دون إيقاع إصابات بالغة بهم".

 وبعد تولي تشرشل منصبه وزيرًا للمستعمرات، لم يخف قلقه من تسلّم هذا الملف، حيث كتب في رسالة إلى رئيس الوزراء البريطاني قائلًا: "أشعر بالضيق إزاء العواقب السياسية التي تلحق بي، لأنني أخذت على عاتقي عبء التورّط في بلاد الرافدين".

وقال جون هارت، مؤلف كتاب "كيف أنقذ تشرشل الحضارة: "لم يكن تشرشل يريد وظيفة وزير المستعمرات، لأنه كان يعلم أنها كانت إحدى تلك الوظائف التي لا يمكنك فيها إرضاء الجميع. دائمًا سيكون هناك شخص يشكو من شيء ما. كما أنه لم تعجبه الأجواء المشحونة. لقد كان رجلًا منطقيًا. فما كان يريده حقًا هو أن يكون وزير الخزانة. لكنها كانت الوظيفة التي منحها إياه لويد جورج، وقد قام بها بطريقة احترافية للغاية".

كان على تشرشل أن يتعامل مع هذا العبء بالكثير من الحذر والقوة. فأمامه مهمة صعبة، تبدأ بمحاولة تلبية تطلعات الشريف الحسين بن علي بإقامة دولة عربية في منطقة الحجاز وبلاد الشام. ومن جهة أخرى، ضمان حصول اليهود على دولتهم القومية في فلسطين، وفق وعد بلفور. ومن أجل ذلك، أنشأ تشرشل دائرة تختص بشؤون الشرق الأوسط، واستدعى الضابط البريطاني إدوارد لورانس، الذي كانت له ارتباطات قوية بسلالة الشريف الحسين بن علي المتمركزة في الحجاز، ليكون مستشارًا رئيسًا له في الوزارة.

طلب تشرشل من لورانس أن يقوم بما يلزم من استعدادات لعقد اجتماع خبراء، والتركيز فيه على قضية الانتداب البريطاني على العراق والأردن وفلسطين. ونتيجة لذلك، تم عقد اجتماعات تحضيرية في لندن شارك فيها الأمير فيصل بن الحسين. اختار تشرشل التوجّه إلى القاهرة في مارس/ آذار 1921، برفقة وفد كبير مؤلف من 40 موظفًا إداريًا وسياسيًا وعسكريًا من البريطانيين الذين كانوا يشغلون مناصب هامة في أرجاء الوطن العربي، من بينهم هربرت صاموئيل، المندوب السامي البريطاني في فلسطين، والمشير إدموند اللمبي الذي احتلّ فلسطين في أثناء الحرب العالمية الأولى، والسير برسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العراق.

وقال دوكتور: "في نهاية الحرب العالمية الأولى، اضطر تشرشل لتسوية ثلاث مناطق. تم تقديم ثلاثة وعود في الحرب العالمية الأولى، ومنها ما نعرفها الآن والتي جاءت في مراسلات الحسين ماكناهم عن مناطق السيطرة التي وُعد بها العرب إثر دعمهم للبريطانيين ضدّ الإمبراطورية العثمانية. ووجهة النظر تقول إن ما حاول تشرشل تحقيقه من هذه الوعود هو ما يدعوه المؤرخون من أمثال تيموثي بيريس بالحلول الشريفية. وهذا هو المغزى، أنه إذا كان الملك حسين يسيطر على مكة، والملك فيصل في العراق، والملك عبدالله في الأردن، فإن ثلاثتهم سيعملون جنبًا إلى جنب لمحاولة المساعدة في تحقيق غايات بريطانيا، وتتصرّف فيما يُشبه الدول التابعة، وهذا ما لم ينجح بالطبع. وكان له سوء فهم جذري، أحدها أنه قلّل بالفعل من مدى إعجاب الهاشميين ببعضهم البعض، حيث لم يتوافق عبد الله وفيصل ووالدهما بشكل جيد".

لم يخف تشرشل قلقه من الذهاب إلى القاهرة في تلك الأثناء، خصوصًا بعد رفضه المطالب التحررية للمصريين آنذاك، حيث كتب في رسالته لزوجته في 11 فبراير/ شباط 1921: "إن الشعب المصري منزعج بسبب مجيئي إلى مصر، ويبدو أنهم يعتقدون أن لمجيئي علاقة بهم. وهذا في الواقع اعتقاد خاطئ، لم أحضر في مهمة رسمية إلى مصر، وليس لدي صلاحية لمعالجة أية مسألة مصرية. يجب أن أوضح ذلك بشكل جلي، وإلا فإنهم سيزعجوننا بالمظاهرات والوفود".

مؤتمر القاهرة 1921

ورغم ذلك، أُقيم المؤتمر في فندق سميراميس على ضفاف النيل. وناقش الحاضرون عدة قضايا بدءًا بموضوع العراق، وموضوع فلسطين وشرقي الأردن، إلى جانب مسائل عسكرية ومالية أخرى.

وقال باكوود إن ما تحاول الحكومة البريطانية القيام به في الشرق الأوسط في تلك المرحلة، هو الحفاظ على مصالحها، ومحاولة الحفاظ على موقعها وتأثيرها، وذلك من خلال العمل مع الآخرين. وما حاول تشرشل فعله في مؤتمر القاهرة هو تأسيس مكانة وموقع لليهود في فلسطين، واحترام وعد بلفور، وأن تكون هناك جالية يهودية يستطيع البريطانيون العمل معها. لكن أيضًا،إنشاء دول جديدة: دولة العراق، ودولة شرق الأردن الجديدتين. وتثبيت أنظمة في هذه الدول بحيث يتمكن البريطانيون من العمل معها".

في تلك الأثناء، كان الأمير عبدالله بن الشريف حسين، قد استكمل سيطرته على شرق الأردن، ما دفع الحاضرين في مؤتمر القاهرة إلى الاعتراف بعبدالله بن الحسين أميرًا لشرق الأردن، بعد أن أرسل لتشرشل رسالة شرح له فيها الأسباب التي دفعته إلى المجيء إلى عمّان، مؤكدًا أنه لا يحمل أية نية عدوانية، طالبًا منه مقابلته في فلسطين أو في أي مكان آخر يعبّر فيه عن إيمانه بالصداقة المتبادلة.

وقال هارت إن "المبدأ العام وراء الحدود الجديدة في الشرق الأوسط، هو الاحتفاظ بفلسطين لليهود، ولبنان للمسيحيين، والعراق لجميع القبائل العربية الإسلامية الأخرى. وعندما سُئل تي إي لورانس عن نصيحته عمن ينبغي أن يقوم البريطانيون بدعمه في الشرق الأوسط، ذهب لزيارة أبناء الشريف حسين، حيث كان يبحث في عقله عن شخصية بطولية لديها القدرة على القيادة".

من جهته، قال دوكتور إن ما هو رائع أن تشرشل أحبّ حقًا عبدالله وكانا على وفاق. وبالطبع لم يفكر لورانس كثيرًا في عبدالله، وقد أخبر تشرشل أن عبدالله لم يكن ذلك القائد الحقيقي، وأن شقيقه فيصل كان القائد الحقيقي. لكن تشرشل فضّل عبدالله لأنه ساعده في وقت لاحق من الحرب العالمية الثانية. وظهرت هناك صداقة حقيقية بين تشرشل وعبدالله، لكن ليست على غرار صداقة تي إي لورانس وفيصل".

بعد إنهاء مؤتمر القاهرة، وبينما كان المشاركون يستعدون لالتقاط صورة تذكارية، مازحهم تشرشل قائلًا: "أنا أسد بين أربعين حراميا".

مؤتمر القاهرة 1921
مؤتمر القاهرة 1921- غيتي

وقال دوكتور إن تشرشل قال إنه جمع لصوصه الأربعين، حيث كان يشير إلى الرواية الشهيرة ألف ليلة وليلة، لذلك فقد حشد لمؤتمر القاهرة بشكل أساسي لإنشاء نظام في الشرق الأوسط. كما أنهم قرروا استخدام ما نسميه الآن الشرطة الجوية الاستعمارية للسيطرة على المنطقة. وقرروا استخدام الطائرات لقطع المسافات، وإبقاء الجميع ملتزمين. وهذه بالطبع واحدة من أكبر مآسي مؤتمر القاهرة، لأن ما تمخّض عنه هو نوع من الإرث الاستعماري الوحشي لاستخدام القوة الجوية للسيطرة. وهي طريقة رهيبة لمحاولة إدارة أي شيء".

تشرشل في القدس

أكمل تشرشل رحلته في الشرق الأوسط، من القاهرة إلى القدس مرورًا بغزة، حيث قُوبل قطار تشرشل هناك بمظاهرة كبيرة ضد الانتداب البريطاني على فلسطين. ظنّ تشرشل وصاموئيل حينها، أن المتظاهرين الذين اصطفوا محتجين كانوا يلوّحون له مرحّبين، بينما كان هؤلاء يردّدون هتافات ضدّ تزايد هجرة اليهود إلى فلسطين.

وفي القدس، قابل الأمير عبدالله بن الحسين تشرشل بحضور إدوارد لورانس، وهربرت صاموئيل، ليقترح تشرشل على الأمير إنشاء إمارة شرق الأردن، على أن يقرّ الأمير بالسيطرة البريطانية على إدارته.

وقال تشرشل: "يتوجّب على الأمير فيصل بن الحسين أن يغادر سوريا ويترشّح لعرش العراق، لأن فرنسا لن تتعاون معه أبدًا. لذلك عليك أيها الأمير عبدالله التأثير على والدك لقبول ترشيح فيصل، وتشجيع الشعب العراقي على قبوله، ضمن اتفاق كامل مع بريطانيا العظمى، وأن تواصل سياسة استرضاء الفرنسيين".

طلب الأمير عبدالله منحه السيطرة على كامل منطقة فلسطين الانتدابية، والسماح له بالاتحاد مع العراق التي وعد بها شقيقه فيصل. لكن تشرشل رفض كلا المطلبين، واتفقا على أن يقوم الأمير عبدالله بإدارة المنطقة الواقعة شرق الأردن لفترة تجريبية مدتها ستة أشهر، يحصل خلالها على دعم بريطاني قدره 5 آلاف جنيه إسترليني شهريًا.

في اليوم التالي، توجه تشرشل لوضع الحجر الأساس للجامعة العبرية على جبل المشارف في القدس، وتحدّث أمام عشرة آلاف مهاجر يهودي ليؤكد بشكل قاطع دعم بريطانيا للوطن القومي اليهودي، وتأسيس دولة يهودية في المستقبل.

تشرشل يضع حجر الأساس للجامعة العبرية على جبل المشارف
تشرشل يضع حجر الأساس للجامعة العبرية على جبل المشارف- غيتي

وقال تشرشل: "من الواضح تمامًا أنه يتوجّب أن يكون لليهود الذين ينتشرون في جميع أنحاء العالم أرض حيث يمكن لمّ شملهم، ويمكن أن يكون ذلك في أرض فلسطين التي ارتبطوا بها ارتباطًا وثيقًا لأكثر من 3 آلاف سنة. نعتقد أن هذا سيكون مفيدًا للعالم واليهود، وخير للإمبراطورية البريطانية. وكذلك نعتقد بأن هذا سيكون جيدًا بالنسبة للعرب الذين يسكنون فلسطين".

ثورة يافا 1921

أثار خطاب تشرشل غضب العرب، حيث طافت مظاهرات عربية بالمدن الفلسطينية، منددة بتصريحاته، وتنادي بسقوط بلفور ورفض الصهيونية. الأمر الذي مهّد الطريق لاشتعال ثورة يافا في مايو/ أيار 1921.  

وعلى إثر هذه الانتفاضة، أرسل المؤتمر العربي الفلسطيني وفدًا إلى لندن برئاسة موسى كاظم الحسيني الذي بقي هناك قرابة تسعة أشهر. وفي أول لقاء لهم مع تشرشل، طالبوه بإلغاء وعد بلفور. لكن تشرشل لم يُنصت إليهم، فقرر الوفد الذهاب إلى جنيف لحضور اجتماع عصبة الأمم في محاولة منهم لطرح المشكلة أمام جميع دول العالم. لكن الوفد لم يستفد شيئًا من إقامته في جنيف، فقرر العودة إلى لندن.

وقال باكوود: "أعتقد أن تشرشل كان من مؤيدي وعد بلفور. كما أعتقد أنه يؤمن بأن من الصواب أن يكون للشعب اليهودي وطن في فلسطين. لكن هذا لا يعني بالطبع أنه كان مناصرًا لدولة يهودية. ولو نظرت إلى ما يقوله تشرشل باستمرار منذ وعد بلفور حتى الحرب العالمية الثانية، لوجدت أن ما يبحث عنه هو ما نسميه اليوم حل الدولتين. ويعتقد أنه يجب أن يكون من الممكن التعامل مع الهجرة اليهودية بطريقة تمكّنهم من العيش إلى جانب الشعب الفلسطيني".

كان العراق في ذلك الوقت يتحضّر لإعلان الأمير فيصل بن الحسين ملكًا عليه، بعد إجراء استفتاء في عموم البلاد. وكان تشرشل حريصًا على تذليل أي عقدة تعترض الاتفاق الذي جرى بينه وبين الأمير فيصل. فأرسل برقية للمندوب السامي في العراق يوصيه بتتويج الأمير فيصل بأقرب وقت ممكن.

وكتب تشرشل: "يتوجّب على فيصل عند اعتلائه عرش العراق أن يعلن أن قبوله ملكًا على العراق منوط باستمرار مساعدتنا له وحدنا. وحكومة جلالة الملك مستعدة لمؤازرته، ولكن ليس بإمكانها أن تصرّح الآن عن أية اتفاقات بينها وبينه".

وهكذا استطاع تشرشل في أول ستة أشهر من توليه منصب وزارة المستعمرات أن يُغلق ملفي العراق وشرق الأردن. وبقي أمامه حلّ مسألة فلسطين بما يناسب تطلعات الدولة البريطانية بإقامة دولة يهودية هناك دون الكثير من المواجهات مع العرب.

وقال باكوود: "يفضّل تشرشل بشدة الجانب اليهودي على الجانب الفلسطيني. وهو يعتقد أن الإتيان بالمستوطنين اليهود إلى فلسطين، سيكون قوة لتحقيق تقدّم مادي ونهضة في البلاد. كما أنه ذلك الشخص المتعاطف مع قضية اليهود بسبب طباعه وخلفيته ومن خلال صداقات عائلته، وهو ما تجلّى في معالجته للمناقشات في القدس عام 1921، حيث كان أكثر تعاطفًا تجاه الجانب اليهودي من الفلسطيني".

مسودة الدستور الفلسطيني لعام 1922

في فبراير 1922، وأثناء إقامة الوفد الفلسطيني في لندن، قدّم لهم تشرشل مسودة دستور فلسطين لدراسته وإعطاء الرأي فيه. وكانت المسودة تنصّ على إيجاد مجلس تشريعي مؤلف من 26 عضوًا يترأسهم المندوب السامي حينذاك هيربرت صاموئيل.

رفض الوفد الاقتراح، واشتد الجدال بين الطرفين، وتعدّدت الرسائل الجافة والقاسية بينهما. وكان جواب تشرشل على إحدى رسائل الوفد الفلسطيني حاسمًا بأنه لا يستطيع أن يبحث دستور فلسطين إلا على أساس وعد بلفور.

وأرسل تشرشل بعدها جوابًا رسميًا على طلبات الوفد الفلسطيني، والذي أطلق عليه حينذاك "كتاب تشرشل الأبيض"، والذي ثبّت فيه سياسة "وعد بلفور"، وأكد أن وجود اليهود في فلسطين حق لا بد منه.

لكنه قال إن ذلك لا يعني تهويد فلسطين كلها، وإن من حق العرب أن يطمئنوا إلى أن ذلك الاستيطان لن يؤثر على وجودهم.

إلا أن تلك الوثيقة جُوبهت بالرفض من العرب واليهود على حد سواء.

وقال هارت: "ما أراده الصهاينة هو وطن قومي لليهود، الذين لديهم الحق في الهجرة بصورة أكبر. كما كان العرب ضد الكتاب الأبيض لأنهم كانوا يخشون أن يفوقهم اليهود عددًا".

في العام ذاته، عبّر تشرشل عن رأيه بالعرب في فلسطين بوضوح أمام مجلس العموم البريطاني قائلًا: "لو تُرك الأمر لعرب فلسطين، لما أقدموا، ولو لألف سنة، على اتخاذ خطوات فعلية لتوفير مياه الري والكهرباء في فلسطين. ولاكتفوا، وهم حفنة من الناس المتفلسفين، بالإقامة في السهول المقفرة التي تحرقها أشعة الشمس، تاركين مياه نهر الأردن تتدفّق دون احتجازها لتصبّ في البحر الميت".

وقال دوكتور إن وجهة نظر تشرشل عن فلسطين أنها ستبقى مستعمرة بريطانية ذات ولاية، وأن بريطانيا ستسيطر عليها. وأن أحد أسباب استياء الوفد الفلسطيني الشديد من تشرشل، هو أنه أبقى في كتابه الأبيض الصياغة مفتوحة حول الهجرة اليهودية إلى فلسطين. والعبارة التي استخدمها أن فلسطين تستطيع أن تستوعب هجرة اليهود، من دون تحديد أرقام".

لم يكمل تشرشل مسيرته في وزارة المستعمرات، لكنه استطاع بعد عام واحد أن يُحقّق الكثير مما كان يصبو إليه، ليعود في فترة الحرب العالمية الثانية، رئيسًا للوزراء في المملكة المتحدة.

ثورة الرشيد

في تلك الفترة من عام 1941، كان العراق يشهد اضطرابات واسعة بهدف إسقاط النظام الملكي الموالي لبريطانيا، وسُمّيت بـ"ثورة الرشيد"، نسبة إلى رشيد علي الكيلاني، والذي وصفه تشرشل بأنه لا يعوزه شيء من القابلية والمقدرة. فقد كان على درجة عالية من الدهاء والفعالية، وطموحًا بصورة غير اعتيادية.

لكن تشرشل كان يعتبر أن هذه الثورة كانت مدعومة من الألمان، ويجب عليه إخمادها بكل الوسائل الممكنة. فوجّه لهم ضربات جوية على مراكز تجمّعهم، واستطاع إضعاف قوتهم والقضاء على "ثورة الرشيد" حينذاك.

ومع بداية انتهاء الحرب العالمية الثانية، واقتراب حسمها من قبل الحلفاء بقيادة بريطانيا، توجّه تشرشل إلى مصر للاجتماع بملك السعودية عبدالعزيز آل سعود، في محاولة منه للحصول على امتيازات للنفط السعودي، أسوة بالولايات المتحدة الأميركية.

يصف السفير البريطاني في القاهرة اللورد كيليرين تفاصيل اللقاء المدهشة، وكيف أن رجال البروتوكول السعودي أبلغوا اللورد كيليرين بأن الملك السعودي لن يسمح بالتدخين أو شرب الكحول في حضرته، وأن هذه تعاليم دين الملك عبدالعزيز.

وأبلغ كيليرن تشرشل بدوره، فردّ تشرشل: "إذا كانت هذه تعاليم دين الملك، فإن تعاليم دين تشرشل تصر على شعائر الشراب والتدخين".

وقال باكوود إن "لقاء تشرشل مع الملك السعودي مثير للاهتمام حقًا، لأنه يُدرك أن الملك يلتقي في تلك المرحلة مع الرئيس الأميريكي روزفلت، وأن ما حصل يتعلّق بمحاولة الحفاظ على العلاقة البريطانية مستقلة عن المصلحة الأميركية الناشئة".

 بدوره، قال هارت إن "ما أراد تشرشل وروزفلت التأكد منه هو أن السعودية لن تزوّد ألمانيا النازية بالنفط. على الرغم من أن الحرب بدت وانتهت بانتصار الخلفاء. وبقيت الحقيقة أن الأسلحة الألمانية عندما هاجموا روسيا، كانت تذهب إلى حقول النفط في باكو. لقد كانوا بأمس الحاجة للنفط لمواصلة الحرب".

عاد تشرشل إلى القاهرة من الفيوم، واجتمع مع الملك فاروق، وقال له إنه لا يوجد بلد في العالم يحس به المرء بالثراء الفاحش والفقر المدقع في آن واحد، كما في مصر. وتساءل: "لما لا تأخذ من الباشاوات الأثرياء بعضًا من ثرواتهم الكبيرة وتنفقها على الفلاحين.

فأجاب الملك فاروق بأنه يتمنّى ذلك، ولكن هذا من اختصاص الحكومة.

وقال باكوود : "تشرشل إمبريالي طوال حياته. وهو ذلك الشخص الذي يؤمن بالإمبراطورية البريطانية، وأن البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط هو نقطة مركزية ومفتاح لتلك الإمبراطورية، إذ تضمن له الارتباط عبر قناة السويس إلى الهند. وكان مصممًا على الحفاظ على النفوذ والوجود البريطاني هناك".

المصادر:
العربي

شارك القصة

تابع القراءة
Close