Skip to main content

وثائق مسربة من بنك الموارد.. نجل رياض سلامة ينقل ملايين الدولارات إلى خارج لبنان

الجمعة 13 مايو 2022
كشفت وثائق مسربة من بنك الموارد الذي يملكه مروان خير الدين، سلسلة تحويلات مالية من حسابات نادي سلامة، ابن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة

كشفت وثائق مسربة أن نادي رياض سلامة، نجل حاكم مصرف لبنان المركزي، تمكّن من تحويل ملايين الدولارات إلى خارج لبنان، في الوقت الذي منعت فيه القيود المصرفية معظم اللبنانيين من التصرف بمدخراتهم التي تم تجميدها أواخر عام 2019.

وأظهر تحقيق استقصائي لـ"مشروع تعقب الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود" (OCCRP) أن ابن رياض سلامة، استطاع إرسال أكثر من 6.5 مليون دولار إلى خارج البلاد، وكذلك تحويل مبالغ كبيرة من الليرة اللبنانية إلى الدولار بسعر الصرف الرسمي، على الرغم من انهيار القيمة السوقية للعملة اللبنانية.

وبحسب الوثائق المسربة التي استند إليها التحقيق، والتي حصل "العربي" على نسخة منها، خرجت أربعة تحويلات تتراوح قيمتها بين مليون ومليوني دولار من حسابات نادي سلامة في بنك الموارد اللبناني، بين 1 أكتوبر/ تشرين الأول و2 ديسمبر/ كانون الأول 2019.

وأكد مصرفيان لبنانيان كبيران على دراية بنظام الفوترة الخاص ببنك الموارد صحة الوثائق لـ"OCCRP". كما كشفت الوثائق أن تعاملات نادي سلامة تضمنت دفعة لمورّد أثاث إيطالي فاخر، في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.


  • أظهرت وثائق مسربة أن أربعة تحويلات تتراوح قيمتها بين مليون ومليوني دولار لكل منها خرجت من حسابات نادي سلامة في بنك "الموارد" اللبناني.

  • كشف البيانات أن تحويلات حساب نادي سلامة من بنك الموارد ذهبت إلى خارج لبنان، لكنها لم تظهر إلى أين اتجهت.

  • تمكّن نادي سلامة من تحويل مليارات الليرات اللبنانية إلى الدولار الأميركي بسعر الصرف الرسمي حتى مع انهيار القيمة السوقية للعملة اللبنانية.

  • أظهرت كشوف حسابات ابن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أنه أرسل آلاف الدولارات إلى مورد إيطالي للأثاث الفاخر في الأول من نوفمبر 2019.

  • يخضع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة منذ أن بدأت الأزمة في لبنان للتحقيق في عدة قضايا للاشتباه بتورطه في قضايا اختلاس وإثراء غير مشروع.

مدخرات اللبنانيين.. وحسابات نادي سلامة

يستعيد تحقيق مشروع تعقب الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود الذي أجراه كل من رياض قبيسي وتوم ستوك ورنا الصباغ، المشهد في لبنان في أواخر عام 2019، حيث مُنع معظم عملاء المصارف في لبنان من سحب أو تحويل أموالهم بالدولار الأميركي، عندما تسبب نقص العملات الأجنبية في انهيار النظام المالي.

وشاهد الكثيرون في تلك الفترة مدخراتهم وهي تتبخر، مع فقدان الليرة اللبنانية – التي ظلت مربوطة بالدولار لأكثر من عقدين – أكثر من 80% من قيمتها، في غضون بضعة أشهر فقط.

في ذلك الحين، لم تكن القيود على الودائع رسمية، ما يعني أن قلة من ذوي العلاقات الجيدة كان بإمكانها الوصول إلى ودائعها ونقلها.

ومن بين هؤلاء العملاء كان نادي سلامة، نجل رياض سلامة حاكم المصرف المركزي، الذي شغل هذا المنصب لفترة طويلة. وبعدما كان رياض سلامة يحظى بالإشادة الدولية والمحلية، صار يُلقى باللوم على سياساته على نطاق واسع في الانهيار المالي الذي تشهده البلاد.

ويخضع سلامة الأب منذ أن بدأت الأزمة في لبنان للتحقيق في خمس دول على الأقل، للاشتباه بتورطه في قضايا اختلاس وإثراء غير مشروع وغسيل أموال.

وفي مارس/ آذار الماضي، جمّد الاتحاد الأوروبي أصولًا بقيمة 120 مليون يورو (130 مليون دولار) على صلة بالتحقيقات الجارية.

كشفت وثائق مسربة أن ابن حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة ، تمكّن من تحويل ملايين الدولارات إلى خارج لبنان

تحويلات نجل رياض سلامة

بالعودة إلى الوثائق المسربة التي استند إليها تحقيق "OCCRP"، أظهرت البيانات أن أربعة تحويلات تتراوح قيمتها بين مليون ومليوني دولار لكل منها خرجت من حسابات نادي سلامة في بنك "الموارد" اللبناني بين 1 أكتوبر/ تشرين الأول و2 ديسمبر/ كانون الأول من العام 2019.

وتكشف البيانات التي تضمنتها الوثائق أن هذه التحويلات ذهبت إلى خارج لبنان، لكنها لم تظهر إلى أين اتجهت أو إلى أي مصرف وصلت. لكن في حالة واحدة، أظهرت المستندات أن التحويل تم إرساله عبر "بنك أوف نيويورك ميلون"، ولكن من دون تبيان الوجهة النهائية.

نفذ أول تحويل من حساب نادي رياض سلامة في بنك الموارد في الأول من تشرين الأول، تبعته ثلاثة تحويلات أخرى بقيمة إجمالية بلغت 5.5 مليون دولار، بعد إعادة فتح المصارف اللبنانية في 1 نوفمبر 2019

إلى جانب التحويلات الخارجية، تمكّن نادي سلامة من تحويل مليارات الليرات اللبنانية إلى الدولار الأميركي بسعر الصرف الرسمي حتى مع انهيار القيمة السوقية للعملة، وبذلك تمكن من تفادي خسائر بمئات الآلاف من الدولارات، في حين كان معظم اللبنانيين يضطرون إلى الوقوف في طوابير لساعات من أجل سحب بضع مئات من الدولارات من حساباتهم، أو لشراء دولارات أميركية من "السوق السوداء" بأسعار مرتفعة للغاية.

وفي تلك الفترة، لم يكن ممكنًا في كثير من الأحيان استبدال الليرة اللبنانية رسميًا بالدولار، إلا بشرط تجميد أموال الودائع لمدة عامين بفائدة 0%.

وفي موازاة تلك القيود، انتشرت تقارير على نطاق واسع عن تمكّن النخب السياسية والمالية في البلاد من التهرب منها.

وفي هذا الصدد، كان آلان بيفاني المدير العام السابق لوزارة المالية اللبنانية قد قال في يوليو/ تموز 2020 لصحيفة الفايننشل تايمز إنه تم "تهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار إلى خارج البلاد"، فيما نقلت "نخبة الأموال القذرة" عبء الأزمة إلى اللبنانيين العاديين.

وكتب الخبير الاقتصادي الأميركي جيمس ريكاردز، في دراسة أُجريت عام 2020 حول الانهيار في لبنان، أنه تم تحذير النخب مسبقًا بغرض تحويل الودائع الدولارية الكبيرة إلى خارج لبنان قبل فرض قيود رأس المال (كابيتال كونترول Capital Control)، بينما أصبحت مدخرات الشركات العادية والمودعين "مجمدة وعديمة القيمة فعليًا".

من ناحيتها، لفتت سابين الكيك، الأستاذة الجامعية والمتخصّصة بالقانون الدستوري، إلى أن "الأبرياء" حرموا من النظام المصرفي الذي "تهيمن عليه عصابة إجرامية".

وأشارت الكيك، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "Juriscale"، في تصريح لـ"OCCRP" إلى أن النخب السياسية والمصرفية "نقلت أرباحها الضخمة إلى حسابات أوفشور، في ظل قيود على التدفقات المالية للخارج وضعها وأدارها هؤلاء المجرمون أنفسهم".

وأورد تقرير حكومي صدر حديثًا في لبنان، أن الأزمة تسببّت في إلحاق أضرار باقتصاد البلاد تقدر بنحو 69 مليار دولار.

كما دُفع نصف سكان لبنان، البالغ عددهم نحو سبعة ملايين نسمة، إلى براثن الفقر، بينما انهارت خدمات مثل توفير الكهرباء، التي تعاني في الأساس من نقص منتظم.

وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، انتقد البنك الدولي الطبقة الحاكمة في لبنان لأنها "دبرت" كسادًا اقتصاديًا بعد أن استولت على الدولة و"عاشت على ريعها الاقتصادي".

2019.. غضب وحظر وتحويلات

منذ عام 1997، حافظ لبنان على ربط الدولار بمبلغ يساوي نحو 1500 ليرة لبنانية لكل دولار، مما سمح باستخدام العملتين في التبادل في الاقتصاد المحلي.

لكن الحفاظ على سعر الصرف الثابت يتطلب تدفقًا مستمرًا للدولارات، التي تم ضخها إلى النظام المصرفي من خلال أسعار فائدة مرتفعة بشكل غير مستدام.

ومع بدء الدولار الأميركي في النضوب في أواخر العام 2019، زادت الفجوة بين أسعار السوق السوداء وأسعار الصرف الرسمية.

وفي تلك الفترة، أثار الاضطراب الاقتصادي مقترنًا مع الغضب من الضرائب المقترحة على الوقود وتطبيقات المراسلة مثل "واتساب"، احتجاجات على مستوى البلاد في أكتوبر 2019.

واعتبارًا من 17 أكتوبر، أغلقت البنوك لمدة أسبوعين لوقف الاندفاع لسحب الودائع. وبدأت سلسلة من الإجراءات التي وصلت إلى ضوابط غير رسمية على رأس المال. ومنعت البنوك المودعين العاديين من الوصول إلى مدخراتهم المقوّمة بالدولار، أو نقل الأموال إلى خارج البلاد.

وفيما كان المودعون اليائسون يشاهدون قيمة مدخراتهم تنخفض، تمكّن نادي سلامة، نجل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، من نقل ملايين الدولارات إلى الخارج والاستمرار في استخدام سعر الصرف الرسمي لتحويل مبالغ كبيرة من الليرة اللبنانية، حسبما تظهر البيانات المصرفية المسربة.

غادر أول تحويل، وكان بقيمة مليون دولار، حساب نادي سلامة في 1 أكتوبر، أي قبل ما يزيد قليلًا عن أسبوعين من إغلاق البنوك. تبعته ثلاثة تحويلات أخرى بقيمة إجمالية بلغت 5.5 مليون دولار، بعد إعادة فتح البنوك في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

وفي اليوم نفسه، تمكّن سلامة من تحويل الأموال من حساب مقوّم بالليرة اللبنانية إلى حساب منفصل بالدولار بالسعر الرسمي. وبلغ مجموع تلك الأموال أكثر من 2.6 مليون دولار.

وبينما كانت تلك العملية بحلول ذلك الوقت مستحيلة أيضًا بالنسبة لمعظم اللبنانيين، تظهر الوثائق أن نادي سلامة أرسل مليوني دولار من ذلك المبلغ المحول من الليرة اللبنانية إلى الخارج.

ملصق إعلاني صادر عن بنك الموارد، نشر على موقعه الإلكتروني في أغسطس 2020، يروج لاستخدام الليرة اللبنانية، في ظل تجميد ودائع اللبنانيين بالدولار الأميركي

والجدير بالذكر أن سعر السوق السوداء في ذلك الوقت كان يبلغ نحو 1750 ليرة للدولار الواحد، الأمر الذي يعني أن التحويل وفّر على سلامة أكثر من 300 ألف دولار من الخسائر، مقارنة بما كان سيتحمله عملاء آخرون.

إلى ذلك، تظهر كشوف حسابات سلامة المصرفية أنه أرسل أيضًا آلاف الدولارات إلى مورد إيطالي للأثاث الفاخر في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني.

رجل "الموارد".. مروان خير الدين

تمت معاملات نادي سلامة الواردة في الوثائق المسربة، في بنك "الموارد" اللبناني، الذي يملكه مروان خير الدين، وزير الدولة السابق الذي يخوض الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها الأحد في 15 مايو/ أيار 2022.

ويخوض مروان خير الدين، ابن شقيقة النائب المنتهية ولايته أنور الخليل، الذي كان عضوًا في كتلة رئيس البرلمان نبيه بري النيابية "التنمية والتحرير"، الانتخابات في دائرة الجنوب الثالثة، ضمن اللائحة المدعومة من ثنائي "حزب الله" و"حركة أمل". 

حلّ مروان خير الدين على لائحة الثنائي حزب الله وحركة أمل، في إحدى الدوائر الانتخابية لجنوب لبنان، عن المقعد الدرزي الذي شغله خاله أنور الخليل لعقود

وكان خير الدين، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لـ"بنك الموارد"، قد احتل عناوين الصحف بسبب شراء شقة بنتهاوس فاخرة في نيويورك بقيمة 10 ملايين دولار من الممثلة الأميركية جنيفر لورانس، خلال ذروة أزمة لبنان عام 2020.

ونفى خير الدين في السابق شراء الشقة لنفسه، مدعيًا أنه كان مجرد مدير في الشركة التي قامت بعملية الشراء. وتظهر سجلات الملكية توقيع خير الدين نيابة عن الشركة في الصفقة.

أثقال الأزمة على اللبنانيين

تركت الأزمة المالية ذيولًا ثقيلة على معيشة اللبنانيين ويومياتهم، وتسبّبت في معاناة ما زالت مستمرة إلى اليوم.

عن تجربته الشخصية مع الأزمة وأثقالها، يشير حسن مغنية، وهو صاحب مطعم وأب لطفلين، إلى أنه سارع أوائل عام 2020 إلى سحب مبلغ 15 ألف دولار من حسابه المصرفي لتغطية علاج والدته، التي تم تشخيص إصابتها بالسرطان.

ويردف في تصريح لـ"مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود"، بأنه مُنع من الوصول إلى أمواله، فرفع على الأثر دعوى قضائية ضد المصرف. لكن قبل حصوله على أموال توفيت والدته.

ويشير مغنية لـ"OCCRP" إلى أنه ما زال يشعر بالحاجة إلى الانتقام لموتها، ويقول: "لكنني لا أريد اللجوء إلى العنف. ربما سأنتقم بمغادرة البلاد مع عائلتي".

وقد ساعد مغنية في تأسيس جمعية المودعين اللبنانيين، وهي مجموعة تناضل من أجل حق الناس في الوصول إلى مدخراتهم، وقامت منذ العام 2019 برفع نحو 300 دعوى قضائية في لبنان والخارج من أجل الحق في تحويل أموال إلى الخارج وإعادة فتح حسابات مقفلة.

بدوره، يؤكد نزار غانم، أحد مؤسسي رابطة المودعين، أن فشل الحكومة في إدخال ضوابط واضحة على رأس المال تُطبق على الجميع سمح لمن هم أكثر الناس نفوذًا في لبنان بإنقاذ أنفسهم، بينما يتحمل المواطنون وطأة انهيار العملة.

ويلفت إلى أنه كان ينبغي سن قانون مراقبة رأس المال منذ اللحظة الأولى. ويضيف أن المسؤولين "لم يفعلوا ذلك لإبقاء الباب مفتوحًا على مصراعيه للاستثناءات، التي سمحت للمحظوظين بتهريب أموالهم".

إلى ذلك، يشدد مدير فرع في بنك لبناني بارز، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب مخاوف من إقالته، على أن فرض مثل هذا التشريع الآن سيكون بلا جدوى: "حتى لو أصدروا قانونًا (لمراقبة رأس المال) الآن، فقد فات الأوان. لم يتبقَ لأحد أي مال".

المصادر:
العربي - مشروع تعقب الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود (OCCRP)
شارك القصة