الإثنين 12 أبريل / April 2021

القومية العربية بين السياسة والأيديولوجيا.. هل تجاوزها الواقع؟

القومية العربية بين السياسة والأيديولوجيا.. هل تجاوزها الواقع؟
الخميس 8 نيسان 2021

لم تكن وحدة الدولة دومًا امتدادًا لوحدة الثقافة، وهو ما ولّد عند البعض نزوعًا إلى تسييس الهوية، وتحويل العروبة إلى مشروع سياسي جامع يستوعب العرب، انطلاقًا من هوية عروبية تنصهر فيها جميع مكوّنات الهوية، من لغة ودين وتراث وتاريخ ومصالح مشتركة، ويتّجه بهم نحو المستقبل في مشروع سياسي يستجمع عناصر الوحدة والقوة.

من هنا، جاءت القومية العربية بوصفها حركة سياسية تأسّست عليها دول وأحزاب، وهي تمثّل أحد مشروعات عصر النهضة العربية، وتعبّر عن دعوة لتجاوز الصراعات العقائدية واعتبار العربية لغة وثقافة وهوية جامعة.

ومع أنّ انطلاقة فكرة القومية العربية قديمة في التاريخ، إلا أنّها لا تزال حتى يومنا هذا تثير الكثير من الإشكاليّات، فيما تُطرَح علامات استفهام حول ما إذا كان لها مستقبل سياسيّ، أم أنها فكرة رومانسية تجاوزها الواقع.

كيف بدأت القومية العربية؟

تبنّى فكرة القومية العربية في البدء، اثنان من مثقفي الشام هما ناصيف اليازجي وبطرس البستاني، وعلى إثرها تأسست الجمعية العلمية السورية عام 1857، ثمّ جمعية بيروت السرية عام 1875، تلتها جمعية عصبة الوطن العربي في باريس عام 1904، والتي أسّسها نجيب عازوري مؤلف كتاب "يقظة الأمّة العربيّة".

انحاز عبد الرحمن الكواكبي لدعوة القومية العربية في الشام، وطالب بخلافة عربية وهي الفكرة التي تبنّتها الجمعية القحطانية في القسطنطينية عام 1909 بقيادة عزيز المصري. وبعد انحلالها أسّس المصري جمعية العهد. وفي باريس عام 1911، تأسّست جمعية العربية الفتاة، وحاول أعضاؤها بالتعاون مع جمعية العهد وفيصل ابن شريف الحسين؛ إقامة دولة عربية مستقلة في العراق والشام والحجاز بدعم بريطاني، وفشلت التجربة.

من مشروع سياسي إلى أيديولوجيا

تحولت القومية العربية من مشروع سياسي إلى أيديولوجيا، وكان أبرز منظّريها ساطع الحصري الذي دعا إلى مقاومة القوميات المحلية، وزكي الأرسوزي الذي دعا إلى تأسيس حزب يناضل من أجل بعث الأمّة، وتبنّى فكرته ميشال عفلق وصلاح البيطار، وأسّسا حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1947 في سوريا، وتأسّس أيضًا التنظيم القطري في العراق عام 1953.

وصل الحزب إلى السلطة في سوريا بانقلاب عسكري عرف باسم ثورة الثامن من آذار 1963، وهو ما تكرّر في العراق في السابع عشر من يوليو/تموز 1968، إلا أنّ أيًّا منهما لم يقدّم للمشروع القومي ما قدّمه جمال عبد الناصر في مصر، لا سيما بعد تأميمه قناة السويس، وتجاوزه العدوان الثلاثي.

وقد نجحت الناصرية في بناء دولة قومية مستقلة ومشروع اجتماعي تحديثي، وساندت القضية الفلسطينية، لكنها افتقدت للديمقراطية، وتعرّضت للهزيمة عام 1967.

جيل جديد من القوميين العرب

في ثمانينيات القرن الماضي، برز جيل جديد من القوميين العرب رأى ضرورة التقارب مع الإسلاميين. ألّف المفكّر المصري عصمت سيف الدولة كتابه "بين العروبة والإسلام" عام 1986 وفي عام 1989 تأسّس المؤتمر القومي الإسلامي.

كان المفكّر اللبناني نديم البيطار أحد أنضج منظّري هذا الجيل، ويُعَدّ كتابه "من التجزئة.. إلى الوحدة" إسهامًا متميّزًا، يأتي من بعده المفكّر العربي الدكتور عزمي بشارة، ومعه تنطلق الفكرة إلى مستوى تنظيري أعمق.

ويرى بشارة أنّ القومية ليست أيديولوجيا، وإنما هي تسييس انتماءٍ إلى هوية ثقافية جامعة تقيم جماعة متخيَّلة ينتمي إليه الفرد انتماء حرًّا. ويدعو بشارة إلى فصل القومية عن الدولة وتحقيق سيادة الأمة عبر المواطنة والديمقراطية.

القومية هي جماعة سياسية متخيلة

يرى الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات هاني عوّاد أنّ القومية هي جماعة سياسية متخيلة، تتخيل حدودًا جغرافية لوجودها وتتحكم في نفسها وتملك تقرير مصيرها، وتدخل ضمنها وتحت لوائها الانتماءات الفردية الأخرى كالانتماءات القبلية والإثنية وغيرها ما دامت تنتمي لدولة واحدة.

ويوضح عوّاد، في حديث إلى "العربي"، أنّ القوميات تتعدّد بين قومية إثنية ودينية وثقافية وعرقية وإقليمية، ويشير إلى أن هناك فارقًا بين القوميات المبكرة والقوميات الحديثة والمتأخرة، فالقوميات المبكرة هي التي نشأت خلال القرن 18 في غرب أوروبا تحديدًا؛ نتيجة سياقات معقدة أهمها تراجع سلطة رجال الدين وتطور المدن الحديثة نتيجة التطور الصناعي وتحول اللهجات المحلية إلى لغات رسمية.

أما القوميات المتأخرة فنشأت خلال القرن ال 19 وعملت اعتمادًا على وعي سياسي ومفاهيم فكرية على توحيد جماعات مشتتة وخلق تجانس بينها في دولة، وكانت في أغلبها نتيجة انهيار الإمبراطوريات، بحسب عوّاد.

القومية العربية متأثرة بالقوميات المتأخرة

ويلفت عوّاد إلى أنّ القومية العربية متأثرة بالقوميات المتأخرة، وقد شدّد منظّروها الأوائل على وحدة اللغة والتاريخ، بمعنى أنّ القومية هي انتماء لجماعة وليست برنامجًا فكريًا.

ويوضح قائلا: "بداية من القرن 19 بدأ ظهور الوعي القومي العربي داخل الدولة العثمانية ولم يكن في بداياته متمايزًا عن الوعي الديني الإسلامي، بل كان تيارًا ثقافيًا نخبويًا يتوق إلى الحرية لا إلى الانفصال"، مشيرًا إلى أن مسار الانفصال بدأت ملامحه بالظهور سنة 1908 خلال ظهور حركة تركيا الفتاة؛ التي أعلت من شأن العنصر التركي على بقية مكونات الدولة العثمانية.

ويشدّد على أنّ نشوء الوعي القومي والفكرة القومية العربية في المشرق، وفي سوريا تحديدًا، كان نتيجة قربها من الدولة العثمانية وتأثرها بذلك وأهميتها كمركز للحج أيام سكة الحجاز، إضافة إلى نشوء حركات فكرية نتيجة وجود العديد من المدارس الأوروبية بسوريا الكبرى ونتيجة حركة الترجمة وبروز فكرة إحياء التراث العربي.

المنظرون الأوائل اهتمّوا بوحدة العرب

وإذ يعتبر أنّ فكرة الانفصال عن الدولة العثمانية ظهرت بقوة خلال الحرب العالمية الأولى حين بدا واضحًا قرب هزيمة الدولة العثمانية واقتراب تفككها، يلفت إلى أنّ المنظّرين القوميّين العرب جميعهم اعتزّوا بالإسلام وساهموا في كتابة تاريخ وتراث الإسلام، وكانوا مدركين أن العروبة انتشرت بفضل الإسلام وعن طريقه، ولم يحدث أبدًا أن شوه المنظرون القوميون الإسلام.

ويشير إلى أنّ المنظّرين الأوائل للقومية العربية اهتموا أساسًا بوحدة العرب ولم يهتموا بالقضايا الاقتصادية أو الاجتماعية، إلا أنّه يرى أنّ هزيمة الجيوش العربية في 67 أدّت إلى تسييس القومية العربية وتعميمها كمشروع يشمل الشعوب من المحيط إلى الخليج.

ويلاحظ أنّ الخطاب القومي احتقر الدولة القُطرية وآمن بزوالها وبحدوث الوحدة العربية، ولم يطور أفكاره ورؤاه المتعلقة بالدولة القطرية وكيفية التعامل معها. ويخلص إلى أنّ  حرب 67 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 78 وفشل التنمية؛ أدى كل ذلك بشكل كبير إلى سقوط "الشرعيات" التي قام عليها الخطاب القومي العربي، ما أدى لظهور تيارات أخرى أهمها التيار الإسلامي.

هل من بديل للعروبة؟

وبحسب عوّاد، فبعد الحرب الباردة ظهرت فكرة الديمقراطية ضمن الفكر والخطاب القومي العربي، وهي فكرة لم تكن تطرح سابقًا، وهنا برز د. عزمي بشارة بوصفه أهم المفكرين القوميين العرب، حيث أكد أن العروبة ضرورة للتحول الديمقراطي إضافة إلى كونها ضرورة للتعايش المشترك.

ويشير إلى أنّ بشارة حاول من خلال التمييز بين الأمّة والقومية وعن طريق الديمقراطية؛ التصالح مع فكرة الدولة القُطرية.

ويختم قائلًا أنّ تجربة العراق وتجربة الثورات العربية أثبتت أنه لا يمكن تصور بديل للعروبة كأفق للعيش المشترك.

المصادر:
العربي

شارك القصة

Close