الجمعة 21 يونيو / يونيو 2024

"صداقة بلا حدود".. العقوبات الأميركية تختبر العلاقة بين موسكو وبكين

"صداقة بلا حدود".. العقوبات الأميركية تختبر العلاقة بين موسكو وبكين

Changed

تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره فلاديمير بوتين كثيرًا عن الصداقة "غير المحدودة" بين بلديهما
تحدث الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره فلاديمير بوتين كثيرًا عن الصداقة "غير المحدودة" بين بلديهما - غيتي
سجّلت التجارة بين الصين وروسيا مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، ما تسبب للصين باتهامات بأنها تساهم في إنعاش اقتصاد موسكو.

أصبحت المصارف الصينية في الأشهر الأخيرة أكثر حذرًا في التعاملات التجارية مع روسيا خوفًا من فرض عقوبات أميركية صارمة جديدة على خلفية الحرب في أوكرانيا، ما يشكّل اختبارًا لصداقة "بلا حدود" بين البلدين.

وسجّلت التجارة بين الصين وروسيا مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، ما تسبب للصين باتهامات بأنها تساهم في إنعاش اقتصاد موسكو، في حين من المقرر أن يقوم الرئيس فلاديمير بوتين بزيارة لبكين في مايو/ أيار الجاري.

لكنّ توعد واشنطن الأخير بملاحقة المؤسسات المالية التي تساعد موسكو في تمويل حربها في أوكرانيا شكّل اختبارًا لصلابة العلاقة بين بكين وموسكو، وجعل مصارف الصين تخشى التعرض للعزل.

عقوبات أميركية على المصارف

ويتيح أمر تنفيذي أصدره الرئيس جو بايدن في ديسمبر/ كانون الأول فرض عقوبات ثانوية على المصارف الأجنبية التي تتعامل مع آلة الحرب الروسية، ما يسمح لوزارة الخزانة الأميركية باستبعادها من النظام المالي العالمي الذي يهيمن عليه الدولار، حسب وكالة "فرانس برس".

ومذاك، أوقف الكثير من المصارف الصينية التعاملات مع عملاء روس أو أبطأتها، وفقًا لما أفاد ثمانية أشخاص من البلدين.

وقال تاجر جملة صيني من أمام متجره الواقع في مركز تجاري كبير في وسط بكين هذا الأسبوع: "في الوقت الحالي، من الصعب إدخال أموال مصدرها روسيا".

وأوضح، بينما كانت مجموعة من السياح الروس تتجوّل بين رفوف عرضت عليها أجهزة إلكترونية وحقائب جلدية وسلع أخرى: "المصارف لا تعطي سببًا... لكن قد يكون ذلك عائدًا إلى التهديد (بفرض عقوبات) من أميركا".

ويقول التجار إن المصارف تفرض ضوابط إضافية على التسديدات العابرة للحدود لتجنب التعرض لعقوبات، وهي عملية يمكن أن تستغرق أشهرًا وقد أدت إلى زيادة التكاليف، ما أثار أزمات تدفق نقدي في شركات الاستيراد والتصدير الصغيرة.

وقال تاجر آخر لوكالة "فرانس برس" طالبًا عدم كشف اسمه: إنهم اضطروا لوقف عملياتهم في الصين والعودة إلى روسيا لأنهم "لا يستطيعون الحصول على أي أموال من الزبائن".

ورفض التجار إعطاء أسمائهم بسبب مدى حساسية مسألة العلاقة التجارية بين بكين وموسكو، بحسب الوكالة الفرنسية.

من المقرر أن يقوم الرئيس فلاديمير بوتين بزيارة لبكين في مايو
من المقرر أن يقوم الرئيس فلاديمير بوتين بزيارة لبكين في مايو - غيتي

ويتزامن ذلك مع تراجع الصادرات الصينية لروسيا خلال مارس/ آذار وأبريل/ نيسان مقارنة بالارتفاع الذي شهدته مطلع العام.

وقال بافيل بازانوف، وهو محام يعمل لحساب شركات روسية في الصين، لوكالة فرانس برس: "رغم أن فرض العقوبات كان يهدف إلى عرقلة تصدير بعض السلع من الصين، كان لها بعض التأثير على التجارة العادية".

"السلامة أفضل من الندم"

وازدهرت التجارة بين الصين وروسيا منذ الهجوم أوكرانيا، وبلغت 240 مليار دولار عام 2023، وفق أرقام إدارة الجمارك في بكين.

لكن التقارير التي تفيد بأن الشركات الروسية تواجه صعوبة من أجل تسوية المدفوعات مع المصارف الصينية بدأت تنتشر في وسائل الإعلام الروسية مطلع العام.

وأقر الكرملين بهذا المشكلة في فبراير/ شباط الماضي، وانتقد الناطق باسمه دميتري بيسكوف لاحقًا الضغوط الأميركية "غير المسبوقة" على الصين.

من جهتها، لم تعترف بكين بوجودها، لكنّ وزارة خارجيتها صرّحت لوكالة فرانس برس بأنها تعارض "العقوبات الأميركية الأحادية الجانب وغير القانونية".

لكن في الكواليس، تعمل المصارف الصينية على ضمان ألا تصبح مستهدفة بالعقوبات، وفق ما يقول محلّلون.

وقال ألكسندر غابويف، مدير مركز كارنيغي روسيا وأوراسيا في برلين: "معرفة ما إذا كانت المدفوعات مرتبطة بالمجمع الصناعي العسكري الروسي... يشكل تحديًا كبيرًا للشركات والمصارف الصينية".

وأوضح لوكالة فرانس برس: "إنها تعمل وفق مبدأ الاحتراز أفضل من الندم، ما يقلل من حجم التعاملات".

إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة

وتحدث الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره فلاديمير بوتين كثيرًا عن الصداقة "غير المحدودة" بين بلديهما، فيما أعلن الرئيس الروسي خلال منتدى أعمال الشهر الماضي أنه سيقوم بزيارة للصين في مايو.

وقال وليام بوميرانز من مركز ولسون، إن تباطؤ النمو المحلي في الصين أعطى حوافز لبكين كي لا تتسبب في مزيد من الضرر لاقتصادها.

وأوضح خبراء آخرون أن التدابير الجديدة للمصارف الصينية تعكس رغبة بكين في تصحيح علاقتها مع الولايات المتحدة قبل الانتخابات المقررة هذا العام.

وشهدت العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم استقرارًا في الأشهر الأخيرة بعد خلافات استمرت سنوات حول التجارة والتكنولوجيا ومجالات أخرى.

وفي هذا الإطار، قال رئيس معهد الشؤون الدولية في جامعة رنمين الصينية وانغ ييوي: إن "المسؤولين الصينيين ربما وجهوا المصارف إلى التباطؤ في التعاملات المالية الروسية للتأكد من أنها لا تثير قضية خلافية تؤثر على الانتخابات الأميركية".

وقال الباحث في العلاقات الدولية شين دينغلي: إن "الصين لن تكون غبية" لدرجة السماح لمصرف رئيسي بتمويل حرب روسيا، مضيفًا: "لن تمنح الولايات المتحدة خيار فرض عقوبات كاملة".

في غضون ذلك، أوضح خبراء أنّ جزءًا من الحل قد يكون خطوة روّجت لها دول حريصة على أن تكون بمنأى عن العقوبات الأميركية، وهي أنظمة مالية مستقلة عن الدولار الأميركي.

من جهتها، قالت ألكسندرا بروبوبنكو المستشارة السابقة في البنك المركزي الروسي، لوكالة فرانس برس: إن انعطاف روسيا نحو آسيا في زمن الحرب أظهر "حسن سير نظام للتعاملات العابرة للحدود بالعملتين الوطنيتين (اليوان والروبل)".

وأضافت أن النظام يسمح للمصارف بتخطي الأنظمة المالية التقليدية مثل نظام سويفت، ما يحميها من تأثير العقوبات.

وأشارت إلى أن مواطن الخلل الحالية في آليات الدفع هذه تظهر أن هذا النهج "ليس الحل" مضيفة، "لكنّ موسكو وبكين تعرفان جيداً طريقة تكييف العمليات مع بيئة دائمة التغير".

المصادر:
أ ف ب

شارك القصة

تابع القراءة