الأربعاء 8 فبراير / فبراير 2023

"العربي" يتقصى واقع سجون لبنان.. ظروف سيئة وتقارير عن حالات تعذيب

"العربي" يتقصى واقع سجون لبنان.. ظروف سيئة وتقارير عن حالات تعذيب

Changed

حلقة من برنامج "عين المكان" تكشف تفاصيل ما يجري داخل السجون اللبنانية والظروف المأساوية التي يعيشها السجناء (الصورة: غيتي)
تشهد السجون في لبنان حالات هروب متكررة، وظروفًا صحية غير آمنة، وسجناء من دون محاكمات، وشواهد عن تعذيب في التحقيقات، ووفاة مساجين في ظروف غامضة.

تبدو السجون في لبنان اليوم مشهدًا مصغرًا لحالة الدولة اللبنانية، إذ تنعكس عليها الهشاشة السياسية والواقع الاقتصادي الصعب. وما بين هذين المشهدين، يبقى المواطن رهينة لذلك الواقع المأساوي داخل السجن وخارجه.

فدون أن تحرك الدولة ساكنًا، تشهد السجون حالات هروب متكررة، وظروفًا صحية غير آمنة، وسجناء من دون محاكمات، وشواهد عن تعذيب في التحقيقات، ووفاة مساجين في ظروف غامضة، وادعاءات وتحقيقات مع العناصر الأمنية.

ومن حالات الهرب ما سُجل صبيحة الأحد 7 أغسطس/ آب 2022، عندما استيقظت العاصمة بيروت على أخبار عن عملية فرار كبيرة نفذها 31 سجينًا من الزنزانة الواقعة قرب مبنى الأمن العام تحت جسر العدلية.

وقد أوحت حينها تفاصيل ما جرى وكأن المساجين هربوا من مكان خارج أي رقابة.

حالة فرار أخرى سجلت بعد شهرين، وحينها تمكن 9 موقوفين من الهرب من سجن تابع للجيش اللبناني في منطقة الرملة البيضاء. 

وقد أعاد يومها المشهد إلى الأذهان قصة هروب من سجن بعبدا بتاريخ 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، والتي بقي فيها السؤال حول ما حدث ومن يتحمل المسؤولية معلقًا بدون إجابة.

يومها فرت مجموعة كبيرة من المعتقلين في وقت واحد بعد اشتباك مع قوى الأمن. وبعد مطاردة عدد منهم في شوارع العاصمة بيروت، قُتل خمسة من الفارين في حادث سير.

في إطلالته ضمن برنامج "عين المكان"، يوضح العميد المتقاعد في قوى الأمن الداخلي ناجي ملاعب أن "أول ما يفكر به السجين الذي تطول إقامته في السجن دون مقاضاة هو الهروب".

ويلفت إلى أن السجين في هذه الحالة يعمد إلى مراقبة نوبات الحرس، وأفراد الحراسة الذين لا تساعدهم بنيتهم الجسدية على المقاومة، ويخطط مع زملائه للهروب، حيث يستفيد من الفرص ويستغل عدم وجود عدد كاف من العسكريين.

بدوره، يذكر الصحافي رامي نعيم، باضطلاع عناصر في المخفر بمهمات عديدة يستوجب تنفيذها خلال خدمتهم، الأمر الذي يكون على حساب مراقبة وحماية السجناء. 

سجن رومية في لبنان - وسائل إعلام لبنانية
سجن رومية في لبنان - وسائل إعلام لبنانية

"فروا وأعدناهم إلى السجن"

إلى ذلك، تستعيد والدة أحد السجناء اليوم الذي تلقت فيه خبر فرار سجناء من بينهم نجلها من سجن بعبدا، حيث توجهت على الفور إلى السجن وأمهات أخريات.

وتروي أن ابنتها هاتفتها عقب ذلك لتعلمها بأن عناصر من جهاز المعلومات في قوى الأمن الداخلي وصلوا إلى منزلها للعثور على شقيقها. 

وتكشف أنها عادت إلى المنزل مباشرة، وأجابت على السؤال حول مكانه بأن "لا علم لها"، وأنها هي من عليها طرح السؤال لمعرفة أين يكون بعدما كانت سلمته للدولة، وهي مسؤولة عنه.

وتذكّر أنها نصحت ابنها بتسليم نفسه، ووافقها الرأي بعد تفكير، حيث قال: هل سيتوجب علي البقاء هاربًا طيلة حياتي؟

أم سجين آخر تقول إنها انهارت عندما علمت بهرب نجلها، وسارعت لإعادته إلى السجن. وتروي أنه لم يعارضها، لكنه شكا لها ظروف سجنه السيئة.

وتترافق حالات الهرب مع ظروف غير صحية وغير سليمة يعيشها السجناء في لبنان، وتدفعهم إلى البحث عن وسيلة للهرب.

وكان تقرير لللجنة الدولية للصليب الأحمر، خلص إلى أن معظم السجون اللبنانية تفتقر إلى مقومات مهمة ما يجعلها غير مطابقة للمعايير الدولية.

واقع السجون

ويشير وزير الداخلية اللبناني السابق مروان شربل، إلى أن في لبنان نحو 22 سجنًا، لكن يجب هدم 90% منها وإعادة تشييدها من جديد.

ويذكر بأن السجن هو إصلاح، ما يستوجب وجود مبنى حديث وأن يكون للسجين عمل فيتمكن من تأمين عائلته إن كان موقوفًا لفترة طويلة.

ويؤكد أنه لا يمكن تكديس السجناء في مكان من المعيب وصفه بالسجن، واصفًا حال السجون في لبنان بأنها "مزارع".

وشربل الذي يروى لـ"عين المكان" قصة هروب سجناء من سجن بعبدا وما قيل حولها، يؤكد أن ما من عسكري يهرّب سجين، ليدخل السجن مكانه.

إلى ذلك، تشدد المحامية ديالا شحادة على أن مشكلة السجون اللبنانية سابقة للأزمة الاقتصادية وانهيار العملة اللبنانية.

وتذكر بأنها تحتضن أكثر من 3 أضعاف القدرة الاستيعابية، والسبب الرئيسي هو قصور ميزانية الدولة، أو على الأقل ما تدعي الحكومة أنه قصور في ميزانيتها، عن تطوير وتحسين وتوسيع هذه السجون.

تأخير محاكمات

وترى أن المسألة تتعلق أيضًا بأداء كثير من القضاة الذين ينظرون في القضايا الجزائية؛ من حيث عدم تفعيلهم مواد قانون أصول المحاكمات الجزائية ولا سيما المادة 108.

وتوضح أن الأخيرة تسمح للقاضي بأن يكون له الحق في إخلاء سبيل الموقوف بجنحة أو جناية وتعطي الحقوق للموقوفين بجنحة أو جناية لوضع حد أقصى لتوقيفهم الاحتياطي.

من جانبه، يعتبر الصحافي جورج شاهين أن "أزمة السجون في لبنان حقيقية من زوايا عدة؛ اقتصادية-مالية، أمنية، واجتماعية-إنسانية.

بحسب شاهين، أثبتت التحقيقات وجود تواطؤ مع العسكريين في عمليات فرار لقاء بدل مالي، أي سمسرة.

ويذكر بأن السجون في الدول الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان ليست في عهدة القوى الأمنية، بل قضاة وخبراء بالشأن الاجتماعي فلا يخرج البريء أحيانًا أو من ارتكب جنحة من السجن مجرمًا حقيقيًا بعد سنتين أو ثلاث. 

"لا فراش ونشتري الماء"

وعن الأوضاع الإنسانية، تروي أم أحد السجناء أن نجلها ينام على بطانية في غياب الفراش.

وبينما تقول إن العائلة ممنوعة من تأمينه له، تلفت إلى أنه يتوجب عليها تحويل مبلغ مالي ليحضروا له في السجن واحدًا. وتتحدث عن معاناته من أكثر من مشكلة صحية، مشيرة إلى أن أحدًا لا يكترث بالأمر في السجن فيتحرك لعرضه على طبيب.

وفي اتصال هاتفي مع "عين المكان"، شرح أحد السجناء بوضوح ظروف السجون، التي تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية. ولفت إلى أن الرعاية الصحية باتت مستحيلة، وأن الانتقال إلى مستشفى يتطلب مقابلًا ماليًا قبل الكشف على المريض.

سجين آخر، أكد أن السجناء يشترون زجاجات المياه من الحانوت، متحدثًا في الآن عينه عن انتشار الجرب والحساسية مع غياب النظافة.

وتلفت المتخصصة بعلم الجريمة باميلا حنينة، إلى الأهمية التي يوليها علماء الجريمة للغذاء الذي يتلقاه السجين، فهو يساعده على النمو الفكري والذهني.

وتشدد على ضرورة أن يتضمن الطعام المقدم كل الغذاء الذي يمد السجين بالطاقة لإكمال نهاره ويضمن سلامته الذهنية.

من ناحية أخرى، تلفت إلى أن من السجناء من لا يستطيعون رؤية ذويهم بطريقة منتظمة، مذكرة بمدى تأثير الأمر على نفسيتهم. 

وتشير إلى حاجتهم للدعم العائلي للصمود داخل السجن، الذي يجب أن يراعي أساسًا مسألة إعادة التأهيل داخله وإعادة الاندماج الاجتماعي عقب الخروج منه. 

من جانبه، يؤكد المحامي محمد صبلوح، أن السجون في لبنان على أبواب الانفجار "في ظل ضمائر المسؤولين في لبنان النائمة والتي لا تستيقظ"، لافتًا إلى أن "المعاملة التي يتلقاها السجناء سيئة جدًا".

ويشير إلى ما تعانيه السجون من الناحيتين الغذائية والصحية، مذكرًا بأن وزارة الداخلية أو الدفاع كانتا ملزمتين بمعالجة السجين وإحالته إلى المستشفى.

ويتحدث عن غياب أي مستشفى ميداني للحالات الطارئة في سجن رومية، وهو الأكبر في لبنان، والذي يتسع بالأساس لـ1500 سجين، وفيه حاليًا 4000 سجين.

ويذكر بالمرسوم الصادر عام 1968 الذي أولى وزارة العدل إدارة السجون في لبنان، لكنه يشير إلى أنها ما زالت تحت إدارة وزارتي الداخلية والدفاع حتى اليوم.

التعذيب في سجون لبنان

إلى ذلك، يعتبر التعذيب الممنهج إحدى الأزمات الكبرى التي تعيشها السجون في لبنان.

وتفيد مفوضية حقوق الإنسان اللبنانية، بأن أكثر من 80% من المعتقلين في السجون اللبنانية يتلقون التعذيب بمختلف أشكاله. وهناك حوالي 43% من السجينات جرى تعذيبهن داخل المعتقلات.

وفيما شكلت هذه الممارسات هاجسًا كبيرًا للمراكز الحقوقية، فقد دفعت مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس والشمال في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 لتفعيل شكوى التعذيب ضد وزير الدفاع السابق الياس المر في سويسرا.

تستند الشكوى التي ضمت عددًا من الشهادات الحية لضحايا التعذيب في لبنان، إلى رصد عشرات حالات التعذيب أثناء تولي المر وزارة الدفاع، مع العلم أنه يشغل منذ عام 2013 منصب رئيس مؤسسة الإنتربول من أجل عالم أكثر أمانًا.

"عين المكان" يعرض لشهادة والدة أحد السجناء قالت إنه تعرض للتعذيب في سجن القبة، فماذا روت عن ظروف سجنه وما تعرّض له، ولمَ أعربت أمهات أخريات عن ندمهن لإعادة أبنائهن إلى السجن عقب الفرار؟ الإجابات وأكثر في الحلقة المرفقة.


المصادر:
العربي

شارك القصة

تابع القراءة
Close