الخميس 22 Sep / September 2022

المسيحيون العرب.. لماذا ينظر البعض إليهم بوصفهم أقلية؟

المسيحيون العرب.. لماذا ينظر البعض إليهم بوصفهم أقلية؟

Changed

حلقة "قراءة ثانية" تناقش أسباب النظرة إلى المسيحيين العرب الذين يشكلون مكوّنًا أصيلًا في التاريخ العربي بوصفهم أقلية.
برز المسيحيون العرب في مجالات أخرى غير السياسة منها الترجمة والعلوم التطبيقية والفلسفة وعلم الكلام إضافة إلى علوم اللغة والخطابة والمنطق والعمارة وغيرها.

انتشرت المسيحية في اليمن والجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، وساهم في ذلك المسيحيون الهاربون من الاضطهاد البيزنطي في القرنين الرابع والخامس ميلادي.

ومن ثم جاء الإسلام فاتحًا الباب أما التعايش الديني مع الآخر في نصوصه وممارساته، وكان من آثاره عهد النبي محمد (ص) لنصارى نجران عام 1631 ميلاديًا وتأمينه لدينهم وحياتهم وأمور معاشهم مقابل جزية يدفعونها.

ومثّل هذا العهد نموذجًا للعلاقة بين المسيحيين والمسلمين على امتداد التاريخ الإسلامي مع استثناءات سلطوية حركتها مصالح سياسية مثلت هوامش على متن الحضارة الإسلامية التي تجاوزت التعايش الديني مع الآخر وبخاصة المسيحيين إلى الشراكة في بناء الحضارة.

ويقول سمير عبده في كتابه "دور المسيحيين في الحضارة العربية الإسلامية" إن المسيحيين لعبوا دورًا هامًا في ظل الدولة العربية الإسلامية إبان القرن الأول الهجري حيث برزت مساهمة القبائل المسيحية وبخاصة السريانية في الفتوحات العربية وفي تثبيت أركان الحكم العربي، وبقيت جماعات كثيرة على دينها مثل أقباط مصر ومسيحيي منطقة الهلال الخصيب وفلسطين وموارنة لبنان وتغالبة الجزيرة وغيرهم.

دور هام في ظل الدولة العربية الإسلامية

وكان نصارى الشام من القبائل التغلبية سند معاوية والأمويين في الجيش وفي الأسطول، وبقيت إدارة الدواوين وبيت المال والمشورة للخليفة في أيديهم، وسمح لهم الخلفاء والولاة ببناء كنائس جديدة وإظهار شعائرهم الدينية بالرايات والصلبان.

وبرز المسيحيون العرب في مجالات أخرى غير السياسة منها الترجمة والعلوم التطبيقية والفلسفة وعلم الكلام، ومن رواد الترجمة في العصر العباسي المبكر ثاوذورس أبي قرة وعمار البصري أبي رائطة التكريتي، ويحيى بن عدي، وفي عصر بيت الحكمة الفيلسوف والطبيب المسيحي حنين بن إسحق العبادي الذي ترجم من اليونانية إلى العربية 200 كتاب في الفلسفة والطب والرياضيات، والحجاج بن مطر، ويوحنا بن البطريك وعبد الملك بن ناعمة الحمصي وقسطا بن لوقا البعلبكي، وأبو بشر متى بن يونس وأبو علي إسحاق بن زرعة ويوحنا بن حبلان وغيرهم.

وشارك المسيحيون العرب في علم الطب وتعريبه لغة وممارسة، ومنهم الحارث بن كلدة الثقفي زوج خالة النبي الذي استمر حتى أيام معاوية بن أبي سفيان، ولقب بطبيب العرب، وأبو الحكم الدمشقي وابنه الحكم، وعبد الملك بن أبجر الكناني الذي صحب الخليفة عمر بن عبد العزيز، ويوحنا بن ماسويه، وجرجس بن بختيشوع وعائلته على مدى 6 أجيال.

وشارك المسيحيون أيضًا في علوم اللغة والخطابة والمنطق والعمارة والغناء والموسيقى وغيرها.

"فشل قيام الدولة الوطنية"

وردًا على سؤال حول النظرة إلى المسيحيين العرب على أنهم أقلية، يرى الكاتب والمؤرخ الأردني مهند مبيضين أن المشكلة في هذا الإطار مردها إلى فشل قيام الدولة الوطنية القائمة على مبدأ القانون والمواطنة والحقوق والواجبات التي تحفظ للجميع التمثيل والبقاء وحق المواطنة.

ويلفت في حديث إلى "العربي" من عمّان إلى أن الدولة الوطنية العربية فشلت في تحقيق مبدأ القانون والمواطنة حيث كان هناك ميل إلى العصبيات العسكرية والقبلية والطائفية، ولذلك يُنظر إلى المسيحيين العرب بصيغة الأقلية.

ويعتبر أن محاولات المسيحيين العرب النهضوية اصطدمت بعد الاستقلال العربي والتخلص من الانتداب بطبيعة تكوين السلطة العربية وبفشل الدولة الوطنية، حيث حصلت موجات من التطرف والأحداث السياسية وعدم الاستقرار.

مبيضين الذي يشدد على أن الوجود المسيحي في المنطقة كان عنصر ضمان واستقرار وغنى وتعدد وتطوير، يقول إنه "تم خلق منطقة متوترة للتخلص من العقول الغنية لتهاجر إلى الغرب، كما أعطيت المنطقة صفة صراع لكي تجد الجماعة المسيحية العربية نفسها غير مطمئنة وتهاجر".

ويضيف أن الموجات التي مرت على المنطقة من توتر وانقسام وانفجار دفعت إلى شعور المسيحيين بالخوف وإلى الهجرة، مشددًا في الوقت ذاته على وجود أشخاص وجماعات تحافظ على وجودها وتدعم بقاءها وهويتها من خلال جوانب سياسية واجتماعية وثقافية وأدوار مختلفة.

"سياسة الأقللة"

بدوره يشير الباحث والأكاديمي السوري المتخصص في اللاهوت المسيحي نجيب جورج عوض إلى أن حالة الأقلية الموجودة في المشرق العربي ليست بالضرورة أقلية بالمنطق العددي.

ويعتبر في حديث إلى "العربي" من فيينا أن "ما نشهده في المشرق العربي هو ما يسميه فلاسفة معاصرون "سياسة أقللة"، ويشرح أن هذه السياسية تتمثل في طريقة ممارسة قمعية واضطهادية معينة يمارسها طرف قوي يمسك بالسلطة ضد كل الأطراف الأضعف منه والتي تعارضه أو لا تتفق معه ومع أجنداته.

ويرى أن "السُنة في لبنان هم من تمارس عليهم سياسة الأقللة من طرفين أقوى يملكان السلطة أحدهما مسيحي والآخر شيعي، وفي سوريا مارس النظام سياسة أقللة ممنهجة وقمعية وعنفية ضد كل من وقف ضده من كافة الأديان والخلفيات". 

وفي العراق، تمارس قوى تتبع إيران سياسة الأقللة ضد القوى التي تعارض وجود طهران في البلاد بحسب عوض.

وعن تسمية المسيحيين أقلية في المشرق العربي، يشرح عوض أن "الدول الإستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى ومع انهيار السلطنة العثمانية هي من بدأت تتحدث عن وجود أقليات عددية في المشرق حيث اعتبرت أن هذه الفئات بحاجة إلى حماية لكي تنال حقوقها".

ويضيف: "للأسف تبنت جماعات مسيحية مشرقية هذا التعريف وبدأت تتحدث عن نفسها أيضًا بذات لغة الأقليات وسعت إلى حماية خارجية".

المصادر:
العربي

شارك القصة

تابع القراءة
Close