الأربعاء 8 فبراير / فبراير 2023

الموت المتربص بحبّات الدواء.. "العربي" يكشف أسرار تهريب الأدوية باليمن

الموت المتربص بحبّات الدواء.. "العربي" يكشف أسرار تهريب الأدوية باليمن

Changed

يرصد "عين المكان" الأنشطة غير القانونية والخروقات التي تُرتكب في سوق الدواء اليمني وضحايا تلك الأفعال (الصورة: غيتي)
تعد الأدوية من أخطر الملفات المعقدة التي تهدد حياة اليمنيين، وهو يضاف إلى رصيد متخم بالفقر والبطالة وتدهور الوضع الإنساني الذي أنتجته سنوات الحرب.

منذ اندلاع الحرب في اليمن قبل 8 سنوات، تشعّبت آثارها وتداعياتها لتطال كل جوانب الحياة في البلد الذي كان سعيدًا.

وتعد الأدوية من أخطر الملفات المعقدة التي تهدد حياة اليمنيين، كخطر يضاف إلى رصيد متخم بالفقر والبطالة وتدهور الوضع الإنساني الذي أنتجته سنوات الحرب.

صعوبات الاستيراد وارتفاع الأسعار وأسباب عدة، أفضت إلى نقص وأحيانًا انعدام الأدوية من السوق اليمني؛ وهو ما فتح الباب واسعًا أمام شبكات التهريب، لتنشط في مجال الدواء الذي بات سلعة يبحث عنها الجميع بأي ثمن، ليصل بالنهاية إلى أجساد المرضى من دون خضوعه لاختبارات ومراجعات طبية تثبت مطابقته للمواصفات ولصلاحية الاستخدام.

الدواء المزور يقتل عشرة أطفال

في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، استفاق اليمنيون على أخبار وفاة عشرة أطفال تتراوح أعمارهم بين 3 إلى 12 سنة في مستشفى الكويت في العاصمة صنعاء، لكن الصدمة لم تكن لكونهم بهذا العمر فقط، بل بسبب إصابتهم بسرطان الدم. 

وعلى أثر الغضب الشعبي، فُتحت تحقيقات للتعرف على أسباب الوفاة، وخلصت إلى أنهم حُقنوا بدواء منتهي الصلاحية، وهو ما أكّدته المنظمة اليمنية لمكافحة الإتجار بالبشر، التي أصدرت تقريرًا موسعًا اتهمت فيه مسؤولين في حكومة الحوثيين بالتستر على القضية.

كما ذكرت أن الدواء يعود لشركة "سيلون ألبيس" الهندية، وأنه يواجه مشكلات قضائية في أوزباكستان منذ عام 2021.

وبعد أيام من المأساة، أصدرت الهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية تعميمًا بمنع استخدام عقار "مايثوتركسات" لطب الأورام الخبيثة والحميدة، ومنع استخدام مجموعة من الأصناف الأخرى.

يواجه أكثر من 80% من سكان اليمن تحديات كبيرة في الحصول على الغذاء ومياه الشرب وعلى خدمات الرعاية الصحية - غيتي
يواجه أكثر من 80% من سكان اليمن تحديات كبيرة في الحصول على الغذاء ومياه الشرب وعلى خدمات الرعاية الصحية - غيتي

ومن جانبهم، تقدّم أهالي الضحايا ببلاغات للنائب العام تتضمن اتهامات بحق مسؤولين في مستشفى الكويت ووزارة الصحة والهيئة العليا للأدوية.

وتجري حاليًا محاكمة تسعة متهمين بينهم رئيس الهيئة العليا للأدوية. وقال نشطاء: إن الأسماء المقدمة هي كبش فداء للمتهمين الأساسيين في وزارة الصحة. 

وقد حاول فريق "العربي" التواصل مع مسؤولين للرد على هذه الاتهامات، لكنهم رفضوا بحجة أن القضية في يد القضاء الآن. وعندما حاول الفريق الوصول إلى أهالي الضحايا، رفضوا التعليق بسبب ما قالوا إنها "مخاوف أمنية".

العلاج يسبب المرض

وفي رحلته للبحث عن علاج الألم الذي يعتريه بين الحين والآخر، لم يتوقع المواطن اليمني هشام علي سعيد أن تتدهور حالته وتصل في النهاية إلى الفشل الكلوي.

وكان السبب الرئيسي هو عدم توفر الدواء الذي طلبه الأطباء، واضطراره للاكتفاء بما توفر من مسكنات معظمها غير مضمون الجودة.

وقال سعيد لـ"العربي": "كان العلاج المصرح غاليًا ولا أستطيع أن أشتريه، لذا لجأت إلى التقليد".

وقد أصيب بالفشل الكلوي بعد تناول هذا العلاج المهرب، ما أجبره على غسل الكلى ثلاث مرات في الأسبوع.

وقد أشار سعيد إلى أن الأطباء أكدّوا له أن مرضه سببه الدواء المهرب الذي تناوله.

تزايد عمليات تهريب الأدوية

ومن الطبيعي في ظل انهيار الدولة ألا تتوفر إحصائيات دقيقة وحديثة عن حجم الأدوية المهربة في اليمن؛ لكن التقديرات الرسمية لوزارة الصحة اليمنية قبل عام 2015، تشير إلى أن الدواء المهرب يشكل ما يفوق 50% من الأدوية المتوفرة في الأسواق.

وقال البنك الدولي في مذكرة عن قطاع الصحة في اليمن نشرت في سبتمبر/ أيلول عام 2021: إن توفر مرافق البنية الصحية العاملة بات أمرًا صعب المنال تحت وطأة الصراع، حيث أن نصف المنشآت الصحية فقط بكامل طاقتها، في حين يواجه أكثر من 80% من السكان تحديات كبيرة في الحصول على الغذاء ومياه الشرب وخدمات الرعاية الصحية.

وحصل "العربي" على وثائق ومستندات حكومية تكشف تزايد عمليات تهريب الأدوية خلال سنوات الحرب، حيث أظهرت ضبط أطنان من الأدوية المهربة بما فيها المزورة والمنتهية الصلاحية.

والأسوأ من ذلك هو ما تشير إليه الأجهزة الأمنية من أن أضعاف هذه الكميات، أفلتت من الضبط وغزت الأسواق نتيجة ضعف الإمكانيات الأمنية والقدرات الرقمية.

تأثير الحرب

وحول الأسباب الجذرية التي أدّت إلى انتعاش الأدوية المهربة، أشارت وكيلة محافظة تعز لقطاع الصحة، إيلان عبد الحق، إلى أن الحرب أتت على جميع جوانب الحياة الاقتصادية والأمنية والسياسية، وأدّت لآثار مست المواطن اليمني، ومنها مشكلة تهريب الأدوية بسبب ضعف الجهات الرقابية وغياب منظومة الدولة.

وأكدت في حديثها إلى "العربي" أن الأدوية المهربة المنتهية الصلاحية تكون خطرة ومميتة في كثير من الأحيان.

من جانبه، لفت مدير الهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية فرع تعز محمد الصوفي إلى أن الواقع قبل الحرب كان مختلفًا، حيث كانت مؤسسات الدولة مترابطة وكل منها يكمل الآخر.

وأشار إلى أن الاضطراب بين هذه المؤسسات ساد بعد الحرب، وأضاف: "نحن مرتبطون بالجمارك وبمكاتب الصحة في المحافظات ومؤسسات أخرى في ضبط تجارة الأدوية"، لافتًا إلى تقلص دور الهيئة العليا للأدوية.

أسعار منافسة

وتحدث الطبيب الصيدلي بكيل صالح اليماني عن السبب الذي يدفع الصيدليات والتجار للحصول على الأدوية المهربة، وهو عدم استيراد تلك الرسمية من وكلاء للشركة الأم.

وقال: "إن الأدوية المهربة في اليمن هي رخيصة مقارنة مع الأدوية الرسمية، ما يسمح للصيدلي بتحقيق الأرباح الكبيرة".

وشرح مدير التموين الطبي والإمداد الدوائي في تعز علي ناجي عامر أن الأدوية المهربة تقسم إلى قسمين: أدوية مهربة مزورة ومقلدة مجهولة الهوية وهي خطرة جدًا، وأدوية أخرى تكون مهربة لكنها أصلية تعود لشركات أصلية وتدخل البلاد بطرق غير قانونية.

منافذ التهريب

وقد دفع التأكد من انتشار بيع الأدوية المهربة في الأسواق اليمنية، بفريق "العربي" للبحث عن طرق دخولها إلى البلاد.

وقد أجمعت المصادر أن عملية التهريب تتم عبر الشريط الساحلي. وتتخذ شبكات التهريب حيلًا وأساليب متعددة ومتجددة سواء عبر المنافذ أو داخل المدن.

وقد أسفرت العشوائية في تهريب الأدوية عن تعاظم المشكلة بسبب سوء التخزين وتعرض بعض الأدوية للتلف.

أفضت صعوبات الاستيراد وارتفاع الأسعار إلى نقص الأدوية في اليمن -غيتي
أفضت صعوبات الاستيراد وارتفاع الأسعار إلى نقص الأدوية في اليمن -غيتي

وشرح مدير مكافحة المخدرات في تعز العقيد فؤاد مهيوب العامري أن طرق تهريب الأدوية قد تكون عبر إخفائها عند المنافذ البديلة.

آليات التهريب

وقد حاول فريق "العربي" التواصل مع بعض المهربين على أمل التعرف على آلية وطرق التهريب المتبعة، وأسباب انتشار الظاهرة في اليمن، لكنهوا رفضوا الحديث.

وبعد محاولات أخرى، وافق أحد المهربين الحديث شرط عدم كشف هويته، وكانت المفاجأة الأولى أن هذا الشخص خريج من إحدى كليات الصيدلة، وأنه يرى أن التهريب وسيلة لمساعدة اليمنيين في الحصول على الأدوية التي لا يسهل توفرها.

وقال المهرب: "إن العلاجات المصرحة لا تصل إلى صنعاء فاضطررت للتعامل مع أحد المهربين من مدينة عدن".

وأكد لـ"العربي" أنه يحصل على هذه الأدوية بسرية تامة من قبل عشرات المهربين ويمر بها من جميع النقاط.

وقال: "إذا رأيت الوضع متوترًا في بعض الأحيان، أتعاون مع النقاط والقوات المسيطرة، وأتفق معهم على إعطائي الأدوية المهربة بسرية تامة في أماكن محددة".

واقع مؤلم

وقد رأت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها أن الدول الواقعة في مناطق النزاعات والأزمات تعاني بصورة أكبر من غيرها لعدة أسباب، منها أنها تقع ضحية ما يعرف بسموم الصناعات الدوائية.

وأشارت التقارير إلى أن واحدًا على الأقل من كل عشرة عقاقير تباع في الدول النامية، ومنها اليمن، وهو لا يتمتع بمواصفات الجودة المطلوبة ما يؤدي إلى وفاة عشرات الآلاف بينهم العديد من الأطفال.

وبعد تواصل فريق "العربي" مع العديد من المرضى، قال المسن عبدو محسن، الذي يعاني من مرض القلب والكلى والقولون: "إن الدواء لا يمثل مصدرًا للشفاء بالنسبة له، بل يشعر أن أمراضه تزداد سوءًا كلما تناول جرعة من الدواء المتاح في بلاده حاليًا".

وأضاف: "الأدوية المهربة غطت السوق ولا يمكن لنا أن نصل إلى العلاج الجيد".

في هذا السياق، أشار مدير التموين الطبي للإمداد الدوائي في تعز علي ناجي عامر إلى أضرار الأدوية المهربة، حيث يتعذر معرفة إذا ما كان الدواء حقيقي أو أنه مصنوع من مادة أخرى.

قوانين وتشريعات حاضرة

كما تعد الإجراءات البيروقراطية لمنح تراخيص لوكلاء وشركات الأدوية المحلية وجه آخر للأزمة. فمنذ اندلاع الحرب انقسمت هيئة الأدوية إلى قسمين مستقلين بين صنعاء وعدن.

وتصدر كل من الهيئتين ما يسمى بالتصريح الاستثنائي الذي تستفيد منه الشركات القديمة والجديدة، ما فتح الباب أمام مستوردين جدد.

وإذ أكدت وكيلة محافظة تعز لقطاع الصحة إيلان عبد الحق وجود تشريعات وقوانين في الدستور اليمني لضبط عمليات التعريب، اعتبرت أن الحرب ساهمت في تعطيل أغلب القوانين في جميع مناحي الحياة ومنها تلك المتعلقة بضبط التهريب.

ولفتت عبد الحق إلى الحاجة لمراقبة المنافذ البرية والبحرية للحد من التهريب، ولأن تقوم الجهات الصحية بدورها في تفتيش مخازن الأدوية وضبطها ومصادرتها ومعاقبة المهربين.

وبحسب القانون اليمني، يحظر الإتجار أو بيع الأدوية المهربة أو المزورة. كما تحدد القوانين مهام الجهات الحكومية في مكافحة تهريب الأدوية، لكن ما حصل على أرض الواقع، هو أن الأطراف المسؤولة لجأت إلى تبادل الاتهامات والتنصل من المسؤولية الكاملة تحت ذرائع مختلفة.

المصادر:
العربي

شارك القصة

تابع القراءة
Close