الخميس 30 مايو / مايو 2024

بعد عام على المواجهة بين الجنرالين.. هل باتت حرب السودان "منسية"؟

بعد عام على المواجهة بين الجنرالين.. هل باتت حرب السودان "منسية"؟

Changed

تستمر الحرب في السودان رغم الأصوات المحلية والدولية المحذرة من دخول البلاد عتبة أزمة إنسانية
تستمر الحرب في السودان رغم الأصوات المحلية والدولية المحذرة من دخول البلاد عتبة أزمة إنسانية- غيتي
كان هذا العام كافيًا لتحويل وجه السودان ووضعه على سكة حرب عطلت السياسة وأعطبت الاقتصاد وهجّرت السكان.

مضى عام على الحرب في السودان بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، ولا شيء في الأفق يشير إلى قرب انتهاء الصراع أو إطلاق عملية تفاوض سياسية جدية.

فقد كان هذا العام كافيًا لتحويل وجه السودان ووضعه على سكة حرب عطلت السياسة، وأعطبت الاقتصاد، وتبعثر بسببها السكان.

ففي الخامس عشر من أبريل/ نيسان من العام الماضي كانت البلاد على موعد مشؤوم مع انطلاق شرارة حرب دموية بين شركاء السلاح، قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو الملقب بـ"حميدتي".

وإذ يمضي عام على هذه الحرب، لم تعد الأسئلة عن مسبباتها وخلفياتها ذات معنى بعدما أصبح القصف العشوائي، والتطهير العرقي، والتجنيد القسري والنهب والسلب، ظواهر يومية أجهدت السودانيين وألقت بهم في غياهب المجهول.

مبادرات داخلية وخارجية من دون جدوى

ففي بلد يئِنُ من جراح تقطيع أوصاله، وبمحيط جغرافي مثقل بالحروب والفقر، اندفعت أطراف عربية وأخرى إفريقية إلى تطويق الصراع. فظهرت مبادرة جدة، ومجموعة دول الجوار في القاهرة، ومبادرة الاتحاد الإفريقي، ثم مبادرة منظمة "إيغاد".

شُرد أكثر من ثمانية ملايين شخص جراء الحرب في السودان- الأناضول
شُرد أكثر من ثمانية ملايين شخص جراء الحرب في السودان- الأناضول

وترافق الحراك السياسي الإقليمي مع آخر داخلي، حملت لواءه قوى سياسية وشعبية على أمل بلورة قواسم وطنية مشتركة بين طرفي الصراع، فظهرت مبادرة هيئة التنسيق والاتصال للجبهة المدنية لوقف الحرب، ومبادرة جامعة الجزيرة تحت شعار "من أجل سودان آمن ومستقر ومزدهر"، ثم مبادرة تحالف تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية ـ تقدم، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبدلله حمدوك.

صوت الرصاص يبقى المهيمن على المشهد

غير أن توسع حدة القتال في جغرافية البلاد، وتكافؤ المتقاتلين المدعومين من أطراف إقليمية، أفشل المبادرات الداخلية والخارجية منذ ولادتها، ليبقى صوت الرصاص هو المهيمن، ويبقى قادة الفريقين المتقاتلين على مواقفهما رغم الأصوات المحلية والدولية المحذرة من دخول البلاد عتبة أزمة إنسانية.

وفي هذا الوقت، تظهر الجوانب المأساوية للحرب، حيث أكثر من ثمانية ملايين شخص شُردوا من منازلهم، واقترب نحو خمسة ملايين شخص من مرحلة الجوع الشديد، مع تفشي أمراض الحصبة والكوليرا والملاريا وسط نظام صحي بات قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.

وأمام هذا الواقع المتزايد في مأساته، طالبت الأمم المتحدة بضرورة اتخاذ إجراءات فورية لمنع انتشار الموت على نطاق واسع والانهيار الكامل لسبل العيش مع اقتراب سكان ولايات الخرطوم والجزيرة ودارفور الكبرى وكردفان الكبرى، من الوصول إلى أسوأ مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد وسوء التغذية خلال موسم الجفاف المقبل الذي يبدأ نهاية الشهر الحالي ويستمر حتى نهاية مايو/ أيار.

ومع غياب أية بوادر في الأفق القريب لإنهاء الصراع، يجد السودانيون أنفسهم بين مطرقة حرب لا ترحم وسندان أزمة إنسانية لا تُبقي ولا تَذَر.

"سوء تقدير" لقوة الدعم السريع

وفي هذا الإطار، يرى الكاتب السياسي السوداني بابكر عيسى أنّ السبب وراء استمرار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع هو "الوهم" الذي كان يسيطر على الجميع بشأن قدرة هذه القوات، وأن مسألة القضاء عليها "لن تستغرق أيّ وقت". 

ويوضح في حديث من أستوديوهات "العربي" في لوسيل أن "سوء تقدير" قوة قوات الدعم السريع على الرغم من التقارير المخابراتية السابقة هو الذي أوصل الوضع إلى ما هو عليه الآن، مشيرا إلى أنّ الجيش هو الذي مكّن هذه القوات من السيطرة على مواقع إستراتيجية داخل العاصمة الخرطوم، "من دون أن يكون هناك أيّ بُعد نظر للمخاطر التي يمكن أن تنتج جراء هذا التساهل وقصور الرؤية".

ويشير إلى أنّ الجيش السوداني أعطى "مساحة كبيرة لقوات الدعم السريع للتمدد في جميع الاتجاهات، حيث سمح بزيادة قواتها البرية من 40 ألفًا إلى 120 ألف جندي في الخرطوم، ومُنحت الكثير من الصلاحيات، كما مُنح قادة الدعم السريع العسكريين الرتب التي لا يستحقونها". 

"سقطة" القوات المسلحة السودانية

ويرى عيسى أن كل ما جرى هو بمثابة "سقطة من القوات المسلحة السودانية وغفلة لا يمكن أن تغتفر"، حيث يدفع السودان ضريبتها حتى الآن، بحسب رأيه.

ويذكّر بأن الفريق عبد الفتاح البرهان لم يكن في تلك المرحلة "يقبل أيّ حديث أو انتقاد لقوات الدعم السريع، بل إن الكثير من الوطنيين السودانيين من بينهم الراحل الصادق المهدي قد زُج بهم في السجن لانتقادهم هذه القوات". 

ويرى أن "إعطاء قوات الدعم السريع قوة أكثر من التي تستحقها"، جعلت هذه القوات تتحول من "عصابات مسلحة إلى رديف للقوات المسلحة السودانية".

كما يعتبر عيسى أن الحرب لا يمكن أن تنتهي بانتصار طرف على آخر، لافتـًا إلى أن قوات الدعم السريع تتفوق ميدانيًا في كثير من المناطق. ويشير إلى أن ما حدث في منطقة الجزيرة هو أفضل دليل على الفوضى التي يعيشها السودان منذ بدء النزاع المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع.

"حرب منسية"

ويرى عيسى أن على المجتمع الدولي أن يضغط باتجاه حل هذه المعضلة، ويجب أن يجلس المتخاصمون على طاولة واحدة للتوصل إلى قواسم مشتركة لإنهاء هذه الحرب التي تسببت في مآسي الشعب السوداني، بما في ذلك التهجير والمجاعة.

ويلفت إلى أن تسمية أحداث السودان بالحرب المنسية هي تسمية حقيقية، مشيرًا إلى أن مؤتمر باريس جاء لينفض الغبار عن قضية الشعب السوداني، مشيدًا بدور وفد دولة قطر المهم التي تقدمت بدعم إنساني سخي للسودان.

ويقترح عيسى دمج جميع المبادرات السياسية لحل الأزمة في السودان في مبادرة واحدة وفرضها على الطرفين لوقف نزيف الدم وإعادة المهجرين إلى وطنهم ووقف الكارثة الإنسانية.

المصادر:
العربي

شارك القصة

تابع القراءة
Close